الأربعاء، 13 مايو 2026

كتاب : اللطائف المؤلف : ابن الجوزي



  1. مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة

  2. كتاب : اللطائف/المؤلف : ابن الجوزي 
  3. بسم الله الرحمن الرحيم  قال الشيخ الإمام العالم الحافظ، إمام وقته، وفريد عصره، وعلامة دهره، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي: الحمد لله على ما يوليه، حمدا يرضيه، وصلى الله على من اجتمعت كل المعالم فيه، وقرن اسمه باسم الحق عند الذكر ويكفيه، وعلى آله وأصحابه وتابعيه.
  4. هذا الكتاب رقت عباراته، ودقت إشارته، نثرته عند الإملاء نثرا من فنون، فهو نصيب أكف لا تلتقط الدون، جعلته طرازا على ثوب الوعظ، وفصا لخاتم اللفظ، يعمل في القلب قبل السمع، وغلى الله الرغبة في النفع.
  5. الفصل الأول
  6. في قوله تعالى هو الأول والآخرلا بصفة الأول يحكم له مبدأ، ولا بالآخر صار له منتهى، ولا من الظاهر فهم له شح، ولا من الباطن تعطل له وصف، خرست في حضرة القدس صولة لم؟ وكفت لهيبة الحق كف كيف؟ وغشيت لأنوار العزة عين عين الفكرة، فأقدام الطلب واقفة على حمى التسليم، جل عن أشباه وأثمال، وتقدس عن أن تضرب له الأمثال،وإنما يقع الإشتباه والإشكال، في حق من له أنداد وأشكال، المشبه ملوثن بفرث التجسيم، والمعطل نجس بدم الجحود، ونصيب المحق من بين فرث ودم لبن خالص، هو المتنزه لا يقال: لم لفعله؟ ولا متى لكونه؟ ولا فيم لذاته؟ ولا كيف لوصفه؟ ليس في صفاته أين؟ ولا مما يدخل في أحديته من طالع مرآة صمديته دلته صفاتها على التنزيه، وعلم أنه لا ينطبع فيها شبح الشريك، ولا خيال التشبيه. (تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في ذات الله فتهلكوا) إذا استقبل الرمد الريح فقد تعرض لزيادة الرمد.
  7. جاء البعوض إلى " سليمان " عليه السلام يشكو من الريح، فاستحضر سليمان الريح، فذهب البعوض، فقال " سليمان " إلى أين؟ فقال: لو كان لي قوة الثبوت معها ما شكوت منها.
  8. الفصل الثانيفي ذكر نبينا عليه الصلاة والسلام لما رأى نبينا صلى الله عليه وسلم تخليط القوم في دعوى الشركن فر في بادية العرب، فتحرى غار حراء للفراغ، فراغ إليه، فجاء مزاحم اقرأ يا راهب الصمت، تكلم لسان العجر البشري: لست بقارىء، أنا بالأمس في حجر حجر حليمة، ودخلت في موت أبي في كفالة أبي طالب، فحم لما حمّ، فزمزم بلطف زملوني، فعاد طيف اللطف ينعت الراقد: (يا أَيُها المُزَمِل) قم يا أطيب ثماركن، يا محمولا عليه ثقل قل، يا من خلع عليه خلعة (قُم فَأنذِر) ومن تحركت لتعظيمه السواكن فحن إليه الجذع، وكلمه الذئب، وسبح في كفه الحصا، وتزلزل له الجبل، كل كنى عن شوقه بلسانه.
  9. عجب القوم من علو منزلته، فقالوا بألسنة الحسد (لَولا نُزِلَ هذا القرآن) والقدر يقول: ماهذا التعجب من نخلة بسقت والأصل نواة؟ (ألم نَخلُقكُم مِن ماءٍ مَهين) مرضوا لقوة داء الحسد فرأوه بغير عينه فقالوا: مجنون، يا محمد: هذا نقش يرقانهمن لا لون وجهك، يا جملة الجمال، يا كل الكمال، أنت واسطة العقد، وزينه الدهر، تزيد على الأنبياء زيادة الشمس على البدر، والبحر على القطر، والسماء على الأرض. أنت صدرهم وبدرهم، وعليك يدور أمرهم، أنت قطب فلكهم، وعين كثيبهم، وواسطة قلادتهم، ونقش فصهم، وبيت قصيدتهم، شمس ضحاها، هلال ليلتها، در مقاصيرها، زبر جدها. الخلائق أشخاص، والأنبياء قلوب، ونبينا عليه الصلاة والسلام سرهم.
  10. لما أخذ في سير أسرى، فنقل إلى المسجد الأقصى، خرج إليه عباد الأنبياء من صوامعهم، فاقتدوا بصلاة راهب الوجود، لو كان " موسى وعيسى حيين " أمطها عنك يا عمر، أمع الشمس سراج " .
  11. بعث بالحنيفية السمحة، كانت شرائع الأنبياء كرمضان الصوم، وشرع نبينا يوم العيد، عرضت عليه الجنة والنار حتى عرف الطبيب العقاقير قبل تركيب الأدوية، فل غرب سيف (أََتجَعَلُ فيها) ليلة المعراج ظنت الملائكة أن الآيات تختص بالسماء، فإذا آية الأرض قد علت، لا عجب من ارتفاع صعودهم لأنهم ذوو أجنحة، إنما العجب من ارتفاع جسم طبعه الهبوط بلا جناح جسداني، كان جبريل عليه السلام دليل الفلاح، فلما وصل إلى مفازة ليس فيها علم يعرفه، علم ابن أجود أن الصدق أجود، فقال: ها أنت وربك.
  12. وقع في بادية القرب، فأوجبت هيبة التعظيم أن خرس لسان الطبع، فقال: لا أحصي ثناء عليك، كادت الهيبة تلهبه لولا أن تدورك برش ماء: السلام عليك، فإذا قامت القيامة، فموسى صاحبه، وعيسى حاجبه، والخليل أمير جنده، وآدم ينادي بلسان حاله: يا ولد صورتي، يا والد معناي.
  13. ؟الفصل ؟الثالث
  14. في ذكر آدم عليه السلام؟؟؟ إياك والذنوب فإنها أذلت أباك بعد عز (اِسجدوا) وأخرجته من أقطار (اسكُن) مذ سبى الهوى آدم هوى، دام حزنه، فخرج أولاده العقلاء محزونين، وأولاده السبايا أذلة، أعظم الظلمة ما تقدمها ضوء، وأصعب الهجر ما سبقه وصل، واشد عذاب المحب تذكاره وقت القرب، كان حين إخراجه لا تمشي قدمه، والعجب كيف خطا.
  15. وَتَلَفَّتَت عَيني فَمُذ خَفِيَت ... عَنّي الطُلولُ تَلفَّتَ القَلبُ
  16. واعجبا لجبريل بالأمس يسجد له واليوم يجر بناصيته، والمدنف يقول: ارفق بي:
  17. يا سائقَ البَكَراتِ اِستَبِقِ فَضلَتَها ... عَلى الروي فظهر البكر مقعور
  18. الأسى لأيام الوصال، واللسان يقول: يا ويلتاه والقلب ينادي: يا لهفاه
  19. مِن مُعيٌ أَيامَ جَمعٍ عَلى ما ... كانَ مِنها وَأَينَ أَيّامُ جَمعِ
  20. طالِباً بِالعِراقِ يَنشُدُ هيهات زماناً أَضَلّهُ بِالجَزعِ
  21. كم قصة غصة بعثها مع بريد السر لا يدري بها سوى القلب، مكنونها التأسف، ومضمونها التلهف.
  22. أَلا يا نَسيمَ الريحِ مِن أَرضِ بابلٍ ... تَحمِل إِلى أَهلِ العِراق سَلامي؟
  23. وَإِنّي لأهوى أَن أَكونَ بِأرضِهِم ... عَلى أَنَني مِنها اِستَفدتُ غَرامي
  24. أخذت صعداء أنفاس آدم من ذكر (وَعَصى) تحرقه لولا أنه تدارك الحريق بمياه (فَتابَ عَليه).
  25. قُل لِجيرانِ الغَضا آَهٍ عَلى ... طيبِ عَيشٍ بالغضا لو كان داما
  26. حَمّلوا ريحَ الصّبا نَشرُكُم ... قَبلَ أَن تَحمِل شيحاً وَثَماما
  27. فكان كلما عاين الملائكة تنزل من السماء تذكر المرتع في المربع، فتأخذ العين في إعانة الحزين:
  28. رَأى بارِقاً مِن أَرضِ نَجدٍ فَراعَهُ ... فَباتَ يُسحُّ الدَمعُ وَجداً عَلى وَجدِ
  29. فيا شَجراتِ القاعِ مِن بَطنِ وَجرَةٍ ... سَقاكِ هَزيمَ الوَدقِ مُرتَجِسُ الرَعدُ
  30. كان عند رؤية الأملاكن يذكر إقطاعه الأملاك، فيكاد مما يأسى، يجعل الرجاء يأسا، ثم قام بعد مراكب المنى يمشي إلى أرض منى، فلولا تلقن الكلمات مات.
  31. هَل الأَعصَرُ اللاتي مَضينَ يَعُدنَ لي ... كَما كُنّ لي أَم لا سبَيلَ إِلى الرّدِّ
  32. واعجبا لقلق ابن آدم بلا معين على الحزن، هوام الأرض لا تفهم ما يقول، وملائكة السماء عندها بقايا (أَتَجعَلُ فيها) فهو في كربه بلا رحيم
  33. أَلا راحِمٌ مِن آلِ لَيلى فأَشتَكي ... لَهُ ما بِقَلبي حَتّى يَكِلَّ لِساني
  34. بُكاءُ آَدَمَ لِفِراق الجَنَةِ لا كَبُكاءِ غَيرِهِ
  35. وَكانَت بِالعِراقِ لَنا لَيالٍ ... سَرقناهُنَّ مِن رَيبِ الزَمانِ
  36. ما كان هذا القلق لنفس الدار، بل لأجل رب الدار " وما بي لابان، بل من داره البان " .
  37. صُحبي مَضَوا فَمَدامِعي ... مُنهِلّةٌ مِن إِثرِ صَحبي
  38. ما فَوقَ الهِجرانُ سَهماً ... فانثني عَن قَصدِ قَلبي
  39. كَلاَّ وَلا نادي الجَوى ... إلا وَكُنتُ أَنا المُلبّى
  40. وَلَقَد وَقَفتُ عَلى مِنى ... لَولا المُنى لَقَضيتُ نَحبي
  41. قال " وهب بن منبه " رضي الله عنه: سجد آدم عليه السلام على " جبل الهند " مائة عام يبكي حتى جرت دموعه في " وادي سرنديب " فنبت من دموعه " الدارصيني " و " القرنفل " وجعل طوير الوادي الطواويس، ثم جاء جبريل عليه السلام فقال: ارفع راسك فقد غفر لك، فرفع رأسه ثم طاف بالبيت اسبوعا فما أتمه حتى خاض في دموعه.
  42. دُموعُ عيني مَذ قَذ جَذَّ بَينُهُم ... مَثلُ الدَّوالي أَوهَنَّ الدَّوالي
  43. كان " آدم " " يعقوب " البلاء جرى القضاء بزلله، فما ذنب اللقمة.
  44. ولكن ظفرتم بالمحبين فارحموا قدح أُريد انكساره، فسلم إلى مرتعش لو لم تذنبوا واعجبا.
  45. كان يبكي للدار مرة وللجار ألفا، والفراق يقلقل، والبعاد يزلزل
  46. وَإنّي لَمُشتاقٌ إلى طيبِ وَصلُكُم ... كَما اِشتاقَ نَحو الدارَ مَن طالَ لَفتُهُ
  47. سَأَبكي الدِّما شَوقاً إِلى ساكِنِ الحِمى ... فَأفني بِهِ كَنزَ اِصطِبارٍ ذَخَرتُهُ
  48. وَلَم أَبكِ بُعدَ الدارِ عَني وَإِنّما ... بَكيتُ لِصَبرٍ كان لي فَعَدِمتُهُ
  49. إِذا كانَ دَمعُ العَينِ بالسِرِّ شاهِداً ... فَلَيسَ بِخافٍ في الهوى ما جَحدتُهُ
  50. الفصل الرابع
  51. في صفة الربيعإِذا تأيمت الأرض من زوج القطر، ووجدت لفقده مس الجدب، أخذت في ثياب (فَتَرى الأرضَ هامِدَةً) فإذا قوي فقر القفر، ألقى مد أكف الطلب يستعطي زكاة السحاب، فساق الصانع بعلا يسقي بعلا، فثارت للغياث مثيرة، فجاء الغيث بلا مثيرة (فَسُقناهُ إِلى بَلَدِ مَيت) وتأثير صناعة المعلم في البليد أعجب.
  52. فلبس الجو مطرفه الأدكن، وأقبلت خيالة القطر شاهرة سيوف البرق، فأخذ فراش الهوى، يرش جيش النسيم، فباحث الريح بمكنون المطر، فاستعار السحاب جفون العشاق، وأكف الأجواد، فامتلأت الأودية أنهارا، كلما مستها يد النسيم حكى سلسالها سلاسل الفضة، فالشمس تسفر وتتنقب، والغمام يرش وينسكب " انعقد بعقد الزوجين عقد حب الحب " فلما وقعت شمس الشتاء في الطفل، نشأ أطفال الزرع فارتبع الربيع أوسط بلاد الزمان، فأعار الأرض أثواب الصبا، فانتبهت عيون الأرض من سنة الكرى، ونهضت عرائس النبات ترفل في أنواع الحلل، فكأن النرجس عين، وورقه ورق، فالشقائق يحكي لون الخجل والبهار يصف حال الوجل، والبنفسج كآثار العض في البدن، والنيلوفر يغفو وينتبه، والأغصان تعتنق وتفترق، والأراييج قد ثبت أسرارها إلى النسيم فنم، فاجتمعت في عرس التواصل فنون القيان، فعلا كل ذي فن على فنن، فتطارحت الأطيار مناظرات السجوع، فأعرب كل بلغته عن شوقه، فالحمام يهدر، والبلبل يخطب، والقمري يرجع، والمكاء يغرد، والهدهد يهدد، والأغصان تتمايل كلها تشكر للذي بيده عقدة النكاح، فحينئذ تج خياشيم المشوق ضالة وجده.
  53. لي بِذاتِ البانِ أشجانُ ... حَبَّذا مِن أَجلِها البانُ
  54. حَبَذا رَيَّاهُ يوقِظُهُ ... مِن نَسيمِ الفَجرِ رَيعانُ
  55. حَبَذا وُرق الحَمامِ إِذا ... رَنَّحتها مِنهُ أَغصانُ
  56. داعياتٌ بالهَديلِ لَها ... فيهِ أَسجاعٌ وأَلحانُ
  57. أَعجمياتِ إِذا نَطَقتَ ... لَيس إِلا الشَوقُ تِبيانُ
  58. كُلَما غَنَيتَني هَزَجاً ... هاجَني لِلذكرِ أَحزانُ
  59. مالَ بي مَيلَ الغُصونِ بِها ... طَربي فالكُلُّ نَشوانُ
  60. يا حَمامَ البانِ يَجمَعُنا ... وَجَدُنا إِذ نَحنُ جيرانُ
  61. تُحنَ بالشكوة إِليَّ فَما ... بَينَ أَهلِ الشَوقِ كِتمانُ
  62. يَتَشاكى الواجِدونَ جَوىً ... واحِداً وَالوَجدُ ألوانُ
  63. أَنا مَخلوسُ القَرينِ وَأَنتُنَّ أَزواجٌ وَأَرقرانُ
  64. وَبَعيدُ الدارِ عَن وَطَني ... وَلَكُنَّ البانُ أَوطانُ
  65. لا تَزدَني يا عُذولُ جوى ... أَنا بِالأشواقِ سَكرانُ
  66. الفصل الخامس
  67. يذكر فيه إشارة من حال سلمان الفارسيسابقة الأزل قضت لقوم بدليل (سَبَقَت) وعلى قوم بدليل (غَلَبَت عَلَينا شِقوَتُنا) فواأسفا، أين المفر؟ توفيق (سَبَقَت) نور قلوب الجن (فَقالوا إِنّا سَمِعنا قُرآناً عَجَبا) وخذلان (غَلَبَت) أعمى بصائر قريش فقالوا (أَساطيرُ الأَولين) أهل الشمال في جانب جنون البعد، وأهل اليمين في مهب شمال القرب، ما نفعت عبادة " إبليس " و " بلعام " ولا ضر عناد السحرة.
  68. وحد " قس " وما رأى الرسول، وكفر " ابن أبي " وقد صلى معه، مع الضب ري يكفيه ولا ماء، والسمكة غائصة في الماء ولا ري.
  69. دخل الرسول عليه الصلاة إلى بيت يهودي يعوده فقال له: أسلم تسلم، فنظر المريض إلى ابيه، فقال له: أجب أبا القاسم، فأسلم كان في ذلك البيت غريبا مثل " سلمان منا " فصاحت ألسنة المخالفين: ما لمحمد ولنا؟ ولسان الحال يقول: مريضنا عندكم! كيف انصرافي ولي في داركم شغل المناسبة تؤلف بين الأشخاص. ما احتمل " موسى " مرارة الغربة في دار " فرعون " وإن كان في " آسية " ما يسلين غير أن حق الأم أحق، فضرب على فيه فدام (وَحَرَمنا) إلى أنه أمته الأم، فصوت عود العود عند اجتماع الشمل.
  70. سَلامي عَليكُم كَيفَ حالُكُم ... وَهَل عِندَكُم مِن وَحشَةِ البَينِ ما عندي
  71. سبق العلم بنبوة " موسى " و " إيمان " آسية " فسيق تابوته إلى بيتها، فيه طفل منفرد عن أم إلى امرأة خالية عن زوج.
  72. قرينان مرتعنا واحدلما قضيت في القدم سلامة " سلمان " حملته صبا الصبا نحو الدين، كان أبوه على اعتقاد المجوس، فعرج به دليل التوفيق إلى دير النصارى، فأقبل يناظر أباه فلم يكن لأبيه جواب القيد، وهذا الجواب المرذول قديم من يوم (أَنا أُحيي وَأُميت)، (ثُمّ نُكِسوا) (قالوا حَرِقوهُ) فنزل في البداية ضيف (وَلَنَبلونَكُم) ولولا مكابدة البلاء ما نيلت مرتبة (رب أشعث أغبر، لو أقسم على الله لأبره) فسمع أن ركبا على نية السفر، فسرق نفسه من حرز أبيه ولا قطع، فركب راحلة العزم يرجو إدراك مطلب الغنى، وغاص في مقر بحر البعث ليقع على بدرة الوجود، فصاح به الهوى: إلى أين؟ فقال (إِنى ذاهبِبٌ إِلى رَبي) وقف نفسه على خدمة الأدلاء، وقوف الأذلاء.
  73. فلما أحس الرهبان بانقراض دولتهم، زوده سفره إلى طلب علم الأعلام على علامات نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، وقالوا: قد آن زمانه وأظل، فاحذر أن تضل، فإنه يخرج بأرض العرب، ثم يهاجر إلى أرض بين حرتين، فلو رأيته قد فلى الفلاة، والدليل شوقه، والحنين يزعجه، والتلهف يقلقه
  74. وَأَبغَضتُ فيكَ النَخلَ وَالنَخلُ يانعٌ ... وَأَعجَبَني مِن حُبِكَ الطَلحُ وَالضالُ
  75. وَأَهوى لِجَرّالُ السَّمَاوَةَ وَالفَضى ... وَلو أَنّ صَنفِيَةَ وَشاةٍ وعُذالُ
  76. رحل مع رفقة لم يرفقوا به (فَشَروهُ بِثَمَنٍ بَخس) فاشتراه يهودي بالمدينة، فانجبر انكسار رقه بإنعام " سلمان منا " وتوقد شوقه برؤية الحرتين، وما علم المنزل بوجد النازل.
  77. أَيَدري الرَبعُ أَيَ دَمٍ أَراقا ... وَأَيَّ قُلوبٍ هَذا الرَكبُ ساقا؟
  78. لَنا وَلأَهلِهِ أَبداً قُلوبُ ... تَلاقى في جُسومِ ما تَلاقى!!
  79. فبينما هو يكابد ساعات الانتظار جاء البشير بقدوم الرسول، و " سلمان " في رأس نخلة، فكاد القلق يلقيه لولا أن الحزم أمسكه، كما جرى يوم (إِن كادَت لَتُبدي بِهِ) ثم عجل النزول ليلقي ركب البشارة، وأي ثبات بقي ليعقوب في حال (إِني لأجد).
  80. خَليليَّ مِ، نَجدٍ قَفاني عَلى الرُّبافَقَد هَبَ مِ، تِلكَ الرُسومِ نَسيمُ طف صالح به المالك: مالك وهذا؟ انصرف إلى شغلك.
  81. كيف انصرافي ولي في داركم شغل ثم أخذ يضربه، فأخذ لسان حال المشوق يترنم، لو سمع الأطروش؟
  82. خَليليَّ لا وَاللَهِ ما أَنا مِنكُما ... إذا عَلَمٌ مِن آَلِ لَيلى بَدا لِيا
  83. الفصل السادس
  84. تتجافى جنوبهم عن المضاجعسفر الليل لا يطيقه إلى مضمر المجاعة، تجتمع جنود الكسل فتتشبث بذيل التواني، فتزين حب النوم، وتزخرف طيب الفراش، وتخوف برد الماء، فإذا ثارت شعلة من نار الحزم، أضاءت بها طريق القصد، فسمعت أذن اليقين هاتف: هل من سائل؟
  85. فَقُمتُ أَفرِشُ خَدِّي في الطَريقِ لَهُ ... ذُلاً وَأَسحَبُ أَجفاني عَلى الأَثَرِ
  86. نفس المحب في الليل على آخر نفس، وفي " المتعبدين قوة " وهم يستغفرونن صراخ الأطفال غير بكاء الرجال، سهر الليل هودج الأحباب، يوقظ نسيم الأسحار أعين ذوق الأخطار، فلو رأيتهم
  87. وَقَد لاحَت الجوزاءُ وَأنحَدَرَ النَّسرُ
  88. قد افترشوا بساط " قيس " وباتوا بليل " النابغة " إن ناموا توسدوا أذرع الهمم، وإن قاموا فعلى أقدام القلق، كأن النوم حلف على جفاء أجفانهم
  89. هَذا رِضاكَ نَفى نَومي فأَرَقَني ... فَكَيفَ يا أَمَلي إِن كُنتَ غَضبانا
  90. مازالوا على مطايا الأقدام إلى أن نم النسيم بالسحر، وقام الصارخ ينعي الظلام، فلما تمخض الدجى بحمل السحر، تساندوا إلى رواحل الإستغفار.
  91. شَكونا إِلى أَحبابِنا طَولَ لَيلَنا ... فَقالوا لَنا ما أَقصَرَ اللَيلَ عِندَنا
  92. رياح الأسحار أقوات الأرواح، رقت، فراقت، فبردت حر الوجد، وبلغت رسائل الحب.
  93. أَلا يا صِبا نَجِدُ مَتى هُجتَ مِن نَجدٍ ... لَقَد زادَني مَسراكَ وَجداً عَلى وَجدِ
  94. مكروب الوجدن يرتاح إلى النسيم، وإن قلقل الواجد.
  95. بَينَ شَمالَ وَصِبا ... حَنَّ مَشوقٌ وَصَبا
  96. فَلَم تَزِدهُ نَغَمات الشَوقِ إِلا وَصَبا
  97. عبارة النسيم لا يفهمها إلا المشتاق، وحديث البروق لا يروق إلا للعشاق.
  98. وَمُرنَّحِ فِطَنَ النَسيمُ بِوَجدِهِ ... فَروى لَهُ خَبَر العُذَييبِ مَعرِّضا
  99. خلوا بالحبيب في دار المناجاة فكساهم ثياب الموصلة، وضمخهم بطيب المعاملة، وغالية السحر غالية، يصبحون وعليهم سيما القرب.
  100. تفوح أرواح نجد من ثيابهم فتأسف يا جيفة النوم، وابك يا عريان الغفلة، أتدري كيف مر عليهم الليل، ألك علم بما جرى للقوم.
  101. أيعلم خال ما جرى للمتيم رحلت رفقة (تَتَجافى) قبل السحر، ومطرود النوم في حبس الرقاد، فما فك عنه السجان القيد حتى استقر بالقوم المنزل، فقام يتلمح الآثار على باب الكوفة، والقوم قد شرعوا في الإحرام.
  102. مَن يَطَّلَع شَرَفاً فَيُعَلِمُني ... هَل رَوَّضَ الرَعيانُ بالإِبِلِ
  103. أَم قَعقَعت عُمُدُ الخِيامِ أَم ... اِرتَفَعَت قِبابُهُم عَلى النُزل
  104. أَم غَرَّدَ الحادي بِقافِيةٍ ... مِنها غُرابُ البَين " يَستَملي "
  105. كان " حسان بن أبي سنان " يخادع امرأته حتى تنام، ثم يخرج من الفراش إلى الصلاة.
  106. جَرى حُبُّهُ مَجرى دَمي في مَفاصِلي ... فَأَصبَحَ لي عَن كُلُّ شُغلٍ شُغلُ
  107. كَأَنّ سَوادِ اللَيلِ يَعشَقُ مُقلَتي ... فَبَينَهُما في كُلِ هَجرٍ لَنا وَصلُ
  108. كانت " أم الربيعبن خيثم " إذا رأت تقلقله بالليل تقول: يا بني لعلك قتلت قتيلا، فيقول: نعم قتلت نفسي.
  109. وقالت " أم عمر بن المنكدر " : أشتهي أن أراك نائما، فقال: يا أماه، من جن عليه الليل وهو يخاف البيات، حق له أن لا ينام، يا أماه إن الليل ليرد عليَّ فيهولني، فينقضي عني وما قضيت منه أربي.
  110. ذق الهوى وإن استطعت الملام لم قيل لبعض الزهاد: إرفق بنفسك، فقال: الرفق أطلب.
  111. كان " أمية الشامي " يبكي في المسجد وينتحب حتى يعلو صوته، فأرسل إليه الأمير: إنك تفسد على المصلين صلاتهم بكثرة بكائك وارتفاع صوتك، فلو أمسكت قليلا، فبكى وقال: إن حزن القيامة أورثني دموعا غزارا، فأنا أستريح إلى ذريها أحياناً.
  112. اللَوَّمُ فيكَ يَنصَحوني ... وَالنُصحُ خِيانَةَ اللَوائِم
  113. المُقعِد،ُ وَالمُقيمُ عِندي ... ما دُمتَ عَلى الصُدودِ دائِم
  114. مالي أَجِدُ الحَمامَ أَنَّى ... ناحَت بِآراكِها الحَمائم
  115. كَم صَحَّ عَلى السَّلو عَزمي ... وَالحُبُّ يُحَلِّلُ العَزائِم
  116. وَكَم مِن حَديثٍ قَد خَبأناهُ لِلقَسا ... فَلَما اِلتَقينا صِرتُ أَخرسَ أَلكنا
  117. الفصل السابع
  118. التوبةيا مؤخر توبته بمطل التسويف (لأَي يَومٍ اُجِلَت) كنت تقول: إذا شبت تبت.
  119. فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت لو كان لسيف عن عزيمتك جوهرية لقيك موت الهوى تحت ظبته. كل يوم تضع قاعدة الإنابة ولكن على شفا جرف، كلما صدقت لك في التوبة رغبة، حملت عليها جنود الهوى حملة فانهزمت، إذبح حنجرة بالهوى بسكين العزيمة، فما دام الهوى حيا فلا تأمن من قلب قلبك.
  120. اجعل بكاءك في الدجى شفيعا في الزلل، فزند الشفيع توري نار النجاح. اكتب بمداد الدمع حسن الظن إلى من يحققه، ولا تقنع في توبتك إلا بمكابدة حزن " يعقوب " أو بصبر " يوسف " عن الهوى، فإن لم تطق فبذل إخوته يوم (وَتَصَدق عَلَينا).
  121. يا معشر الأقوام، هذه مشاعل القبول. يا فارغ البيت من القوت، هذه أيام اللقاط. يا مهجور " كنعان " متى تجد ريح " يوسف " يا سجن " مصر " متى يرى الملك سبع بقرات، يا " ابن يا مين " الفراق متى تسمع نغمات (إِني أَنا أَخوكَ) يا دائم الزلل متى تضع جبهة (وَإِن كُنا لَخاطِئِين).
  122. اليَومَ عَهدُكُمُ فَأَينَ المَوعِدُ ... هَيهاتَ لَيسَ لِيومِ عَهدِكُمُ غَدُ
  123. إذا وقعت عزيمة الصدق في قلب العبد التائب رضي الملك، فأنسى الملك، ما كتب، وأوحى إلى الأرض: اكتمي على عبدي.
  124. قتل رجل قبلكم مائة نفس، ثم خرج تائبا فأدركه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فبعث الله ملكا يحكم بينهم، فقال: قيسوا ما بين القريتين، وأوحى إلى هذه أن تباعدي، وغلى هذه أن تقربي، فوجد أقرب إلى قرية الخير بشبر، فغفر له.
  125. والحاكم والخصوم لا يعرفون سر (كَذِلِكَ كِدنا لِيوسُفَ).
  126. إذ صدق التائب أجبناه وأحييناه (وَجَعَلنا لَهُ نوراً يَمشي بِهِ في الناس) يا معاشر التائبين (أَوفوا بِالعُقُود) انظروا لمن عاهدتم (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) فإن زللتم من بعد التقويم، فارجعوا إلى دار المداراة (فإنّ الله لا يمل حتى تملوا).
  127. عودوا إلى الوَصلِ عودوا ... فالهَجرُ صَعبٌ شَديدُ
  128. تَذكّرونا فَما ... عَهدي لَديكُم بَعيدُ
  129. كُنا وَكُنتُم قَريباً ... فَأَينَ تِلكَ العُهودُ
  130. هَل يَرجَعُ البانُ يَوماً ... أَم هَل تَعودُ زَرودُ
  131. الفصل الثامن
  132. مجاهدة النفسيا مقهورا بغلبة النفس، صل عليها بسوط العزيمة، فإنها إن عرفت جدك اِستأسرت لك، وامنعها ملذوذ مباحها ليقع الإصطلاح على ترك الحرام، فإذا صبرت على ترك المباح (فَإِما مناً بَعدُ وَإِما فِداء) الدنيا والشيطان خارجان عنك، والنفس عدو مباطن، ومن أدب الجهاد (قاتِلوا الَّذَينَ يَلونَكُم) إِن مالَت إٍلى الشَهوات فاكبِحها بِلِجامِ التَقوى، وإِن أعرضت عن الطاعات فسقها بسوط المجاهدة، وإن استحلت شراب التواني، واستحسنت ثوب البطالة فصح عليها بصوت العزم. فإن رمقت نفسها بعين العجب فذكرها خساسة الأصل، فإنك والله ما لم تجد مرارة الدواء في حلقك، لم تقدر على ذرة من العافية في بدنك، وقد إجتمعت عندك جنود الهوى في بيت النفس، فأحكمت حصن البطالة. فيا حزب التقى جردوا سيوف العزائم، وادخلوا عليهم الباب.
  133. النفس مثل كلب السوء، متى شبع نام، وإن جاع بصبص. الحر يلحى والعصا للعبد.
  134. كان أحد السلف إذا قهر بترك شهوته أقبل يهتز الرامي إذا قرطس. إذا قوي عزم المجاهدة لأن له الأعداء بلا حرب.
  135. لما قويت مجاهدة نبينا صلى الله عليه وسلم تعدت إلى كل من تعدى، فأسلم شيطانه، اللهم دلنا على قهر نفوسها التي هي أقرب أعدائنا إلينا، وأكثرهم نكاية فينا، يا هذا: بدل اهتمامك بك،واسرق منك لك، فالعمر قليل، تظلم إلى ربك منك، واستنصر خالقك عليك، يأمرك بالجد، وأنت على الضدّ. تفر إلى الزحف ولكن لا إلى فئة.
  136. تطلب نيل العلى وما ارتقيت درج المجاهدة، أتروم الحصاد ولم تبذر؟؟؟ لولا إيثار " يوسف " (السِجنُ أَحبُ إِليّ) ماخرج إلى راحة (وَكَذلِكَ مَكَنَّا) رب خفض تحت السرى، وغنى من عنا، ونضرة من شحوب.
  137. لما قوم المؤمنون أنفسهم بالرياضة وقع عقد (إِنّ اللَهَ اِشتَرى مِنَ المُؤمِنينَ أَنفُسَهُم وَأَموالَهُم بِأَنّ لَهُم الجَنَة) النفس لم ترض إذا لم ترض، لأنها كلب عقور، وإنما يراد الصيود لا العضوض.
  138. ويحك، الأعضاء كالسواقي، والمياه النجسة في الثمرة، أنت تستفتح النهار بإطلاق الجوارح في صيد اللهو، فإذا حان حين الصلاة نعقت بها وليست معلمة فلا تجيب. هيهات ان يخشع طرف ما قومه محتسب (يَغُضوا) وأن يحضر قلب ما أزعجه تخويف (يَعلَمُ السِرَ وَأَخفى).
  139. الناسُ مِنَ الهَوى عَلى أَصنافِ ... هَذا ناقِضُ العَهدِ وَهَذا وافي
  140. هَيهَات مِنً الكُدورِ تَبغي الصافي ... ما يَصلُحُ لِلحَضرَةِ قَلبٌ جافي
  141. الفصل التاسع
  142. ذم الدنياأَنت في حديث الدنيا أفصح من " سحبان " وفي ذكر الآخرة أعيى من " باقل " تقدم على الفاني، ولا إقدام " بن معد يكرب " وتجبن عن الباقي ولا جبن " حسان " ويحك إنما تعجب الدنيا من لا فهم له، كما أن أضغاث الأحلام تسر النائم، لعب الخيال يحسبها الطفل حقيقة، فأما العاقل فلا يغتر.
  143. كم أتلفت الدنيا بيد حبها في بيداء طلبها، وكم عاقبت عن وصول بلد الوصل، كم ساع سعى إليها سعي الرخ ردته معكوسا رد الفرازين يا أرباب الدنيا: إنها مذمومة في كل شريعة، والولد عند الفقهاء يتبع الأم، متى نبت جسمك عن الحرام فمكاسبه كزيت بها يوقد.
  144. هذا " عمر " مع كماله يقول: يا " حذيفة " هل أنا منهم؟؟ وأنت تأمن مع ذنوبك.
  145. إذا كان " بنيامين " نسب إلى السرقة، فأي وجه لخلاص يرجى.
  146. رؤي " عمر " بعد موته باثنتي عشرة سنة فقال: الآن تخلصت من حسابي واعجبا أقيم للحساب أكثر من سني الولاية، أفينتبه بهذا راقد الهوى؟.
  147. يا متلطخا بأقذار الظلم، بادر الغسل من مد العوافي قبل أن يجزرك، لا يغرنك عيش أحلى من العسل، فالمحاسبة أمر من العلقم، ستعلم أيها الغريم قدر عزيمك.
  148. إذ يلتقي كل ذي دين وماطله الحجر المغصوب في البناء أساس الخراب، ليت الحلال سلم، فكيف الحرام؟ كان لبان يخلط اللبن بالماء، فجاء سيل فأهلك الغنم، فجعل يبكي ويقول: اجتمعت تلك القطرات فصارت سيلا.
  149. ولسان الجزاء يناديه " يداك أوكتا وفوك نفخ " .
  150. كم بكت في تنعم الظالم عين أرملة، واحترقت كبد يتيم؟ (وَلَتَعلُمَنّ نَبَأَهُ بَعدَ حين) واعجبا من الظلمة كيف ينسون طي الأيام سالف الجبابرة، وما بلغوا معشار ما آتيناهم، أما شاهدوا مآلهم؟ (فَكُلاً أَخَذنا بِذَنبِهِ) أما رحلوا عن أكوار الندم؟ (فَما بَكَت عَلَيهِم السَماءُ والأرض) أما صاح هاتف الإنذار؟ (كَما تَرَكوا مِن جَناتٍ وَعُيون) واعجبا للمغترين (وَقَد خَلَت مِن قَبلِهِم المَثُلات) أما يكفيهم من الزواجر (وَتَبَينَ لَكُم كَيف فَعَلنا بِهِم) من لهم إذا طلبوا وقت العود؟ (فَحِيلَ بَينَهُم وَبَينَ ما يَشتَهون) كم دار بنعم النعم دارت عليها دوائر النقم؟ (فَجَعلناها حَصيدا)؟ يا معاشر الظلمة: " سليمان " الحكم قد حبس " آصف " العقوبة في سجن (فَلا تَعجَل عَلَيهِم) وأجرى الرجاء (لِئَلا يَكونَ لِلناسِ عَلى اللَهِ حُجة) فلو ذهبت سموم الجزاء من مهب (وَلَئِن مَسَتهُم نَفحَةٌ) لقلعت سكر (إِنّما نُملي لَهُم) (فَلا يَستَطيعونَ تَوصية).
  151. فالحذر الحذر (أَن تَقولَ نَفسٌ يا حَسرَتى) (وَلاتَ حينَ مَناص) أبقي في قوس الزجر منزع (أَفَنضرِبُ عَنكُمُ الذِكرَ صَفحاً).
  152. سفينة التقى تحتاج إلى إحكام تام، ولليم منافذ صغار في الدسر، فاحكم تلك البقاع بقار الورع، هيهات قد خرقتها بالكبائر، وما تتنبه لما صنعت حتى يصيح " نوح " الأسى (لا عاصِمَ) يا هؤلاء: فتعاش العدل إذا لم ينتزع شوك الظلم أثر ما لم يؤمن تعديه إلى القلب، لا تعربوا في سكر القدرة، فصاحب الشرطة بالمرصا.
  153. ويحكم، لا تحتقروا دعاء المظلوم، فشرار نار قلبه محمول بريح دعائه إلى سقف بيت الظالم، نباله تصيب، نبله غريب، قوسه حرقه، وتره قلهه، مرماته هدف، (لأَنصُرَنّكَ وَلَو بَعدَ حين) سهم سهمه الإصابة.
  154. وقد رأيت وفي الأيام تجريب
  155. الفصل العاشر
  156. العمل للآخرةإخواني ارفضوا الدنيا فقد رفضت من كان أشغف بها منكم، اتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، الدنيا خمر ساعدها تغريد طائر الطبع فاشتد سكر الشاربن ففات موسم الريح، ثم بعد الإفاقة يقام الحد، فيقيم قائم الحزن، ويكفي في الضرب فوت الخير فإذا ماتوا انتبهوا.
  157. ويحك، إن الموت سحاب، والشيب وبله، ومن بلغ السبعين اشتكى من غير علة، والعاقل من أصبح على وجل من قرب الأجل، يا هذا: الدنيا وراءك، والأخرى أمامك، والطلب لما وراء هزيمة، وإنما العزيمة في الإقدام، جاء طوفان الموت فاركب سفن التقى، ولا ترافق " كنعان " الأمل، ويحك، انتبه لإغتنام عمرك، فكم يعيش الحيوان حيران؟.
  158. الأسقام تزعج الأبدان فلا بد من النحول ضرورة، كأنك بك في لحدك على فراش الندم، وإنه والله لأخشن من الجندل، فازرع في ربيع حياتك قبل جدوبة أرض شخصك، وادخر من وقت قدرتك قبل زمان عجزك، وأعتد رحلك قبل رحيلك مخافة الفقر في القفر إلى الأزم، الحذار الحذار (أَن تَقولَ نَفسٌ يا حَسرَتى).
  159. الحازم يتزود لما به، قبل أن يصير لمآبه، شجرة الحزم أصلها إحكام النظر، وفروعها المشاورة في المشكل، وثمرتها انتهاز الفرص، وكفى بذهاب الفرصة ندما.
  160. وَكَم فُرصَةٍ فاتَت فَأَصبَحَ رَبُّها ... يَعُضُ عَلَيها الكَفَّ أَو يَقرَع السَّنا
  161. واعجبا؟ لمضيع العمر في التواني، فإذا جاء متقاضي الروح قال (إِنّي تُبتُ الآن) (وَأَنَى لَهُم التَناوُش مِن مَكانٍ بَعيد).
  162. يا رابطا مناه بخيط الأمل، إنه ضعيف الفتل، لو فتحت عين التيقظ لرأيت حيطان العمر قد تهدمت، فبكيت على خراب دار الأمل، جسمك عندنا وقلبك على فراسخ، لا بالتسويف ترعوي، ولا بالتخويف تستوي، ضاعت مفاتيحي معك.
  163. الفصل الحادي عشر
  164. الخوف من الله تعالىخوف السابقة وحذر الخاتمة قلقل قلوب العارفين، وزادهم إزعاجا (يَحولُ بَينَ المَرءِ وَقَلبِهِ) ليس لهم في الدنيا راحة، كلما دخلوا سكة من سك السكون أخرجهم الجزع إلى شارع من شوارع الخوف.
  165. أَروحُ بِشجوٍ ثُمّ أَغدو بِمِثلِهِ ... وَتحسَبُ أَني في الثيابِ صَحيحُ
  166. أعمار الأغمار وانتبهوا فانتبهبوا الليل والنهار، وأخرجوا أقوى العزائم إلى الأفعال، فلما قضوا ديون الجد، قضت علومهم بالحذر من الرد، حنوا فأنوا، وانزعجوا فما اطمأنوا، أنفاسهم لا تخفى، نفوسهم تكاد تطفأ، لون المحب غمار، دمع الشمون نمّام، من ضرورة دوران الدولاب أنينه.
  167. أُخفي كَمَدَ الهَوى وَدَمعي ... في الخَدِ عَلى هواكَ شاهِدُ
  168. فالجَفنُ مُقرٌ بِلوعَتي ... لِلعاذِلِ وَاللِسانُ جاحِدُ
  169. تصادما في قلب العارف جبل الرجاء وجبل الخوف فلما وصل " اسكندر " الفكر، ألقى زبر الهموم حتى (ساوى بَينَ الصَدَفين) ثم صاح بجند الفهوم: (اِنفُخوا) فاستغاث الواجد لتراكم الكرب.
  170. أَيا جَبَلَي نُعمانَ بِالله خَلِيا ... نَسيمَ الصِبا يُخلِص إِلى " نَسيمُها "
  171. لا راحة للمحب في الدنيا، إن أحس بالحجاب بكى على البعد، وإن فتح له باب الوصل خاف الطر.
  172. فَيَبكي إِن نَأَوا شَوقاً إِليهِمُ ... وَيَبكي إِن دَنَوا خَوفَ الفِراقِ
  173. من لم يذق لم يعرف:
  174. مَن لَم يَبُت وَالحُبُّ حَشوُ فُؤَادِهِ ... لِم يَدرِ كَيفَ تَفَتُّتُ الأَكبادِ
  175. الفراق أظلم من الليل، الوجد احر من الجمر.
  176. فَفي فُؤادِ المُحِبِ نارُ جَوىً ... أَحرُّ نارِ الجَحيمِ أَبرَدُها
  177. فقد اشتد قلق الخوف " بابراهيم بن أدهم " فصاح: إلهي إن كنت أعطيت أحدا من المحبين ما يسكن به قلبه قبل لقائك فأعطني، فقد أضر بي القلق.
  178. لَو شِئتَ داويتَ قَلباً أَنتَ مُسقِمُهُ ... وَفي يَديكِ مِنَ البَلوى سَلامَتُهُ
  179. عَلامَةٌ كُتِبَتن في خَدِّ عارِفِكُم ... مَن كانَ مِثلي فَقَد قامَت قِيامَتُهُ
  180. فرأى الحق جل جلاله في منامه وهو يقول: يا إبراهيم: ما استحييت مني؟؟ تسألني أن أعطيك ما يسكن به قلبك؟ وهل يسكن قلب المشوق إلى غير حبيبه؟؟.
  181. يا سائِقَ العَيسِ قَد بَراها ... حَملُ هُمُومٍ بِها عِظامُ
  182. أشواقُها خَلفَها وَشَوقي ... خِلافَ أَشواقِها أَمامي
  183. الفصل الثاني عشر
  184. ذو البجاديناللهم نور ظلمة دنيانا بضوء من توفيقك، واقطع أيامنا في طلب الإتصال بك، فإنك إذا أقبلت سلّمت، وإذا أعرضت أسلمت.
  185. إخواني: إذا سبقت سابقة السعادة لشخص دلته على الدليل قبل الطلب (وَلَقَد اِختَرناهُم عَلى عِلمٍ عَلى العالمين).
  186. إِنّ المَقاديرَ إِذا ساعَدَت ... أَلحَقَت العاجِزَ بالحازِم
  187. كان " ذو البجادين " يتيما في الصغر، فلما عمه الفقر كفله عمه، فنازعته نفسه في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فهمب النهوض، فإذا بقية المرض مانعة، فقال لسان التسويف للنفس: قفي حتى يتقدم العم، فلما تكملت الصحة نفد حبر المشتاق، فقال: يا عم كنت أنتظر سلامتك بإسلامك، وما أرى زمن زمنك ينشط، فقال: والله لئن أسلمت لأنتزعن كل ما أعطيتك!! فصاح لسان عزمته: نظرة من محمد عليه الصلاة والسلام أحب إلي من الدنيا وما فيها.
  188. هذا مذهب المحبين إجماعا من غير خلاف.
  189. وَلَو قيلَ لِلمجَنونِ لَيلى وَوَصلِها ... تُريدُ أَم الدُنيا وَما في طواياها
  190. لَقالَ غُبارٌ مِن تُرابِ دِيارِها ... أَحبُّ إِلى نَفسي وَأَشفى لِرؤياها
  191. فعاد العم في هبته حتى جرده من الثياب، فناولته الأم بجادا لها، فقطعه نصفين، فاتزر بواحدة وارتدى بآخر، وخرج في حلة " دب أشعث أغبر " .
  192. سُنَنَّة الأَحبابِ واحِدَةٌ ... فَإِذا أَحبَبتَ فاستَنِنِ
  193. فنادى صائح الجهاد في جيش العسرة، فتتبع ساقة الأحباب، راكبا عجز العزم مع الضجر، والمحب لا يرى طول الطريق، إنما يتلمح المقصد.
  194. ألا بَلَّغَ اللَهُ الحِمى مِن يُريدُهُ ... وَبلّغ أَكنافَ الحِمى مِن يُريدُها
  195. خَلَيلي لَيسَ الشَيبُ عَيباً لَو أَنَنا ... وَجَدنا لأَيامِ الصِبا مَن يُعيدُها
  196. فنزل إليه ملك الموت بتوقيع: ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي، فنزل ارسول يمهد له اللحد لمأمور: إذا رأيت لي طالبا، فكن له خادما. وصاح بأبي بكر وعمر: أدنيا إلي أَخاكما، وأنتدب لمرتبة لفظها: اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه، فقال ابن مسعود: ليتني كنت صاحب هذا اللحد.
  197. الفصل الثالث عشر
  198. الغفلة عن الآخرةيا هذا حب الدنيا أقتل من السم، وشرورها أكثر من النمل، وعين حرصك عليها أبصر من الهدهد، وبطن أملك أعطش من الرمل، وفم شرهك أشرب من الهيم، وإن خضت في حديثها فأنطق من " سحبان " وإن انتقدت دنانيرها فأنسب من " دغفل " حليتك في تحصيلها أدق من الشعر، وأنت في تدبيرها أصنع من النحل، تجمع فيها الدر جمع الذر.
  199. يا رفيقا في البله لدود القز،، واعجبا! ما انتفعت بموهبة العقل؟؟!.
  200. فَأَنتَ كَدَودِ القَزّ يَنسِجُ دائِماً ... وَيَهلِكُ غَماً وَسطَ ما هوَ ناسِجُهُ
  201. حرصك بعد الشيب أحر من الجمر، أبقي عمر يا أبرد من الثلج؟ والدنيا في قلبك أعز من الروح، وستصير عند الموت أهون من الأرض.
  202. أنت في الشر أجرى من جواد، وفي الخير أبطأ من أعرج، معاصيك أشهر من الشمس، وتوبتك أخفى من السها، الزكاة عندك أثقل من " أحد " والصلاة عليك كثقل صخر على صدر طريق المسجد في حسبان كسلك، كفرسخي " دير كعب " صدرك عند حديث الدنيا أوسع من البحر، ووقت العبادة أضيق من عقد التسعين.
  203. يا من هو عن نجاته أنوم من فهد، ضيعت وقتا أنفس من الدر، وإن عرضت خطيئة وثبت وثوب النمر، فإذا لاحت طاعة رغت روغان الثعلب، فإذا عاملت الناس استعملت غدر الذئب، تقدم على الظلم إقدام الأسد، وتختطف الأمانة اختطاف الحدأة.
  204. يا أظلم من " الجلندي " : ما تأتمنك غزلان الحرم، يا عذري الهوى في حب الدنيا، يا كوفي الفقه في تحصيلها، يا بصري الزهد في طلب الآخرة، واعجبا لقلب أضعف من البعوضة، كيف صار أقوى من الجندل؟ ما يعجبه سجع " فس " ولا يؤثر فيه وعظ " الحسن " ولا يرق لغزل " جرير " فليته فسر منام الأمل على " ابن سيرين " اليقظة قفل قلبك رومي ما يقع عليه فش.
  205. الفصل الرابع عشر
  206. مداواة النفسالعقل رفيق القلب، والطبع قرين النفس، فلا تقارب بين النفس والقلب، فرب جار جار، سرادق القلب على أطناب العقل، وخيمة النفس على أوتار الهوى، اكسر حدة خمر الطبع بمزاج ماء الرياضة، اشددن أزر العقل بجبال التقى، ماء طبعك أجاج، وماء شرعك عذب، وقد مزج الإبتلاء بينهما، نور العقل يضيء في ليل الطبع، فتتبين جادة الصواب للسالك، وزناد الفكر حين يوري يرى عواقب الأهوال.
  207. " يوسف " العقل ينظر إلى العواقب و " زليخا " الهوى تتلمح العاجيل، والعزائم منازل الأبطال، والصبر دأب الرجال، وإنما رد " يوسف عقله وحمل " زليخا " طبعها، ولا أقول لك: اقلع شجر الطبع من أرض الوضع، كيف يمكن وقد قال (زُينَ لِلِناسِ حُبُّ الشَهوات) وإنما أقول لك: دم على المجاهدة في الجسم، وكلما نبعت عروق الهوى فاقطع، وكلما كل ما به تقطع فاشحذ، واقنع بساحة الذل، فعند المسجون شغل من " الرياض " ويحك، اترك وأنت تهوى.
  208. وَفي القَلبِ ما في القَلبِ مِن لَوعَةِ الهَوى ... وَلَكِنَني أُبدي الصُدودَ مُبَهرَجاً
  209. إخواني: من أفسد حسابه بالخيانة استحيا من عرض الدستور، من توسخت ثياب معاملته بالمعاصي لم يقرب من المقربين، من سودت الذنوب وجه جاهه ذل بين الأكرمين، من ركب ظهر التفريط نزل به دار الندامة.
  210. أما سمعتم أن " داود " أعطي نعمة نغمة كان يقف لها الماء فلا يسير، والطير مع ذلك وقوف الأسير، فعمل مرض (لا تَقفُ) في حجاب (يَغضوا) فامتدت به يد البصر، فقدمت قميص " يوسف " العصمة، فآثر زلله حتى في تلاوته، وقد كان معمار الوصال يتفقد قديما آلات صوته، فلما أقبل على الذنب أعرض المعمار عن المراعاة، فتشعث منزل الصفاء، وانقطعت جامكية العسكر، فتفرقت جنود أوبي.
  211. فيالك من جرح تعز مراهمه.
  212. كان عيش عشبة خضرا فأحالت الحال سنة، فكأن أيام الوصال كانت سنة، فكاد يقطع باليأس، حتى التقى الخضر بإلياس.
  213. أَرقى قَد رَقّ لي مِن أَرقى ... وَرثي لي قَلقَي من قَلَقي
  214. وَبُكائي مِن بُكائي قَد بَكى ... وَتَشَكَّت حُرقي مِن حِرقي
  215. كان إذا أراد النياحة نادى مناديه: ألا من أراد أن يسمع نوح داود فليخرج، فتجتمع عليه أهل الأحزان في مأتم الندب، فتزداد الحرق بالتعاون.
  216. يا بَعيدَ الدارِ عَن وَطَنِهِ ... مُغَرداً يَبكي عَلى شَجنِهِ
  217. كُلُما جَد النَحيبُ بِهِ ... زادَت الأَسقامَ في بَدَنِهِ
  218. وَلَقَد زادَ الفُؤادَ شَجىِّ ... طائِرٌ يَبكي عَلى فَنَنِهِ
  219. شاقَهُ ما شاقَنَي فَبَكى ... كُلَّنا يَبكي عَلى سَكَنِهِ
  220. الفصل الخامس عشر
  221. الإخلاصالإخلاص مسك مصون في مسك القلب، ينبه ريحه على حامله، العمل صورة، والإخلاص روح، إذا لم تخلص فلا تتعب، لو قطعت سائر المنازل لم تكن حاجا إلا بشهود الموقف، ولا تغتر بصورة الطاعات، فإن خصم الإخلاص إذا جاء عند حاكم الجزاء ألزم الحبس عن القبول. سوق الإخلاص رائجة رابحة ليس فيها كساد، المخلص يعد طاعاته لاحتقارها عرضا، وقلم القبول قد أثبتها في حيز الجوهر، المخلص مبهرج على الحق بستر الحال، وببهرجته يصح النقد.
  222. لما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة جمال الخمول من حلة حلية " أويس " عمل معول الشوق في قلب " عمر " فكان في كل عام ينشد بلفظ الطالب، ويسأل عن أهل اليمن.
  223. ألا أيها الرَكبُ اليَمانونَ عَرَجوا ... عَلَينا فَقَد أَمسى هوانا يَمانيا
  224. نِسائِلُكُم هَل سالَ نِعمانُ بَعدَنا ... وَحُبَّ إلينا بَطنُ نِعمانَ وادِيا
  225. فلما لقيه " عمر " قال: من أنت؟ قال: راعي غنم، وأجير قوم، وستر ذكر " أويس " .
  226. الأولياء تحت ستر الخمول ما يعلمهم إلا قليل، فإن عرفتهم بسيماهم فتلمح نقاء الأسرار، لا دنس الثياب (وَلا تَعدُ عَيناكَ عَنهُم).
  227. كان في " أيوب السختياني " بعض الطول لستر الحال، وكان إذا تحث فرق قلبه وجاء الدمع قال: ما أشد الزكام؟؟!.
  228. أَفدي ظِباءَ فُلاةٍ ما عَرَفنَ بِها ... مَضغَ الكَلامِ وَلا صَبغ الحواجِبِ
  229. كان " إبراهيم بن أدهم " إذا مرض يجعل عند رأسه ما يأكله الأصحاء كيلا يتشبه بالشاكين. هذه والله بهرجة أصح من نقدك.
  230. قَد سَحَبَ الناسُ أّذيالَ الظُنونِ بِنا ... وَفَرَّقَ الناسُ فينا قَولَهُم فِرقا
  231. فَكاذِبٌ قَد رَمى بِالظَنِ غَيرَكُمُ ... وَصادِقٌ لَيس يَدري أَنّهُ صَدَقا
  232. للمؤمن في إخلاصه أحوال، يتصدق بيمنيه فيخفيها عن شماله. كان " النخعي " إذا قرأ في المصحف فدخل عليه داخل غطاه.
  233. وكان " ابن أبي ليلى " يصلي، فإذا دخل عليه أحد نام على فراشه.
  234. قال " الحسن " كان الرجل تأتيه عبرته فيسترها، فإذا خشي أن تسبقه قام من المجلس.
  235. باحَ مَجنونُ عامِرٍ بِهواهُ ... وَكَتَمتُ الهَوى فَمَتَّ بِوجدي
  236. سحقت نافجة مسك المحبة فبثت في محاريب المتعبدين، وليس كل ثوب يعلق به الطيب " رب قائم حظه السهر " .
  237. كما من مراء يتعب في تهجده، فتفض ريجح الرياء أوراق تعبده، فتبقى أغصان العمل كالسلا، وليس للشوك نسيم (فَلَو صَدَقوا اللَهَ لَكانَ خَيرا لَهُم).
  238. إذا بهرج المنافق على عمل المخلص، فماجت أراييج النفاق، القلوب لجيفته، فذهب عمله جفاء.
  239. واعجبا من أهل الرياء! على من يبهرجون؟ (وَرَبُكَ يَعلَمُ ما تَكِنُ صُدورُهُم) غلب على المخلصين الخشوع، فجاء المرائي يبهرج، فقيل: مهلا، فالناقد بصير، لما أخذ دود القز ينسج جاء العنكبوت يتشبه، فنادى لسان الحال الفاروق:
  240. إِذا اِشتَبهت دُموعُ في خُدودٍ ... تَبينَّ مَن بَكى مِمَّن تَباكى).
  241. الفصل السادس عشر
  242. الإقبال على الله تعالىيا مختار القدر، اعرف قدر قدرك، خلقت الأكوان لأجلك، أقبل علي، فإني مقبل، متى رمت طلبي فاطلبني عندك بدليل " وسعني " .
  243. ساكِنٌ في القَلبِ يَعمُرُهُ ... لَستُ أَنساهُ فأَذكُرُهُ
  244. غابَ عَن سَمعي وَعَن بَصَري ... وَسُويدَ القَلبِ يُبصِرُهُ
  245. بيننا عهد (أَلستَ) شجراته تسقى بمياه " هل من سائل " .
  246. إِذا مَرِضنا أَتيناكُم نَعُودُكُمُ ... وَتُذنِبونَ فَنَأتيكُم فَنَعتَذِرُ
  247. أودعت إقرارك الحجر الأسود، وأمرتك بالحج لتستحي بالتذكر من نقض العهد.
  248. تَشاغَلتُم عَنا بِصُحبَةِ غَيرِنا ... وَأَظهَرتُم الهِجرانَ ما هَكَذا كُنا
  249. وَأَقسَمتُم أَن لا تُحَوِلوا عِنِ الهَوى ... فَقَد وَحَياةِ الحُبِ حُلتُم وَما حُلُنا
  250. الحجر الأسود صندوق أسرار المواثيق، مستمل لما أملى، المعاهد مشتمل على حفظ العهود، فاستلم المشتمل المستملي، ليعلم أن إقرارك لا عن إكراه، إن كنت نسيتني فما نسيتك.
  251. فَلا تَحسَبوا أَني وِدادُكُم ... فَإِني وَإِن طالَ المَدى لَستُ أَنساكُم
  252. حَفِظنا وَضَيَعتُم عُهودَ وِدادِنا ... فَلا كانَ مَن بالهَجرِ وَاللومِ أَغراكُمُ
  253. يا محدثا في عهد (بَلى) ما ليس فيه تطهر من أدران الزلل، فلا بد للمحدث من طهارة: خلقتك يوم الفطرة طاهرا، ووفرت نصيبك من رش نوري عليك، فأينعت " أغصان " الإقرار، وهدجأت حمائم الوفقا، وتدلت ثمار الوفاء، فلما تدنست بالذنب عطشت أرض الوصال، فمالت أغصان المحبة، وقحلت روضة المعاملة، فطاف على جنة العزم طائف المصارمة (فَأَصبَحَت كالصَرَيم) فنكس الآن رأس الذل طول شتاء الهجر، وابعث بريد الأسى ليبعث مزن الحزن لعلها تبكي على قاع الإفلاس، ومسكن المسكنة، فتدب المياه في عروق أغصان اللب، فتهتز العيدان في ربيع الإستدراك، فما ارتوى زرع توبة قط إلا من داودل الحدق.
  254. لَعلَ أَيامَنا التَي سَلَفَت ... تَعودُ بَيضا كَما عَهِدناها
  255. يا هذا: لا ضرر يلحقنا في معاصيك، إنما المراد صيانتك، ولا نفع لنا في طاعتك، إنما المقصود ربحك، فتدبر أمرك.
  256. يا قوم من غيرتنا عليكم حرمنا عليكم الفواحش.
  257. كم ندعوك وتأبى إلا الهجر، فلا العهد رعيت، ولا للتقويم استويت.
  258. يا مَن يَعزُّ عَلَينا أَن نُفارِقَهُم ... وَجِدانُنا كُلَّ شَيءٍ بَعدَكُم عَدَمُ
  259. وَبَينَنا لَو رُعيتُم ذاك مَعرِفةٌ ... إنّ المَعارِفَ في أَهلِ الهَوى ذِمَمُ
  260. الفصل السابع عشرفي إغتنام العمر إخواني: من رأى تصرف الدهر انتبه، أما في الغير عبر، مهد الطفل عنوان اللحد، ريح نقع الأجل يقشع غيم الأمل، الشباب باكورة الحياة، والشيب رداء الردى، لو أن أيام الشباب تباع لبذلنا فيها أنفس الأنفس، متى أسفر صبح المشيب هوى نجم الهوى، إذا قرع المرء بباب الكهولة فقد استأذن على البلى، من عرف الستين أنكر نفسه، من بلغ السبعين اختلفت إليه رسل المنية.
  261. يا من انطوى برد شبابه، وجيئت خلع قلعه، وبلغت سفينة سفره الساحل، قف على ثنية الوداع.
  262. فَلَم يَبقَ إِلا نَظرَةٌ تَتَغَنَمُ قطع الشيب سلك العمر، فالتقط الخرز، ورث سفاء الأمل، قاشدد بالعمل بعض الخرز. عمرك يذوب ذوبابن الثلج، وتوانيك أبرد منه.
  263. وَلَم يَبقَ مِن أَيامِ جَمعِ إِلى مِنى ... إِلى مَوقِفِ التَجميرِِ غَيرُ أَماني
  264. أنت تحب الإقامة، ولكن ما تحمل المفازة، في نفس الجمل غير ما في نفس السائق، ولو ترك القطا لنام.
  265. العاقل من استعد لما يجوز وقوعه كيف يغفل عما لا بد من كونه؟؟ زمن التررد قصير لا يحتمل التسويف.
  266. واعجبا لعمر لو ملىء بالزاد خيف عليه العوز، فكيف إذا تناهبته أيدي البطالة.
  267. واعجباب لمن ينشد وقد أضل نفسه، ولمن يشفق أن ينفق دراهمه وقد ضيع عمره.
  268. كان " ثلاج " لا معاش له سوى بيع الثلج، فبقي عنده منه شيء، لم ينفق، فجعل يقول في مناداته: ارحموا من يذوب رأسه ماله.
  269. فقرك من الخير مشوب بالكسل، ومتى كان الفقير كسلان فلا وجه للغنى، لو كانت لك أنفة من التواني لخرجت من ربقة الذل، بعت قيام الليل بفضل لقمة، شربت كأس النعاس ففاتتك رفقة (تَتَجافَى جُنُوبُهُم) امتلأت طعاما فإذا غريم الفراش يتقاضاك بدين النوم، فضرب على أذنك لا في موافقة أهل الكهف، تناولت خمر الرقاد فوقع بك صاحب الشرطة فعمل في حقك بمقتضى أنم وأرقم، فجعل حدك الحبس عن قيام الليل، فخرج على توقيع قصتك وقت الفجر (رَضوا بِأَن يَكونُوا مَعَ الخوالِف).
  270. والله لو بعت لحظة من خلوة بنا بتعمير " نوح " في ملك " قارون " لغبنت، لا بل بما في الجنان كلها ما ربحت، ومن ذاق عرف.
  271. الفصل الثامن عشر
  272. أعمال الملائكةخلقت الملائكة من نور لا ظلمة فيه، وخلقت الشياطين من ظلمة لا نور فيها، وركب البشر من الضدين، فظلام نفسه مقترن بنور عقله، بينهما حاجز لطيف، لا تعلمه إلا بالمجاهدة، كما أن بين الشمس والظل خط لا يراه إلا المهندس، فالملل يسبح لأنه صاف، والشيطان يعصي لأنه كدر، وإنما العجب تقوى من تقوى في حقه الأضداد.
  273. الآدمي عقل وهوى غير أن بين الهوى والهدى برزخ من التوفيق، لولا لطائف الإعانة قلع سكر التماسك، ولم تطق البشرية المدافعة، لولا لاحقة (لَنَهدِيَنّهُم) لسابقة (سَبَقَت لَهُم).
  274. فالصبر الصبر أيها المحارب، ولا تخف من كمين (وَاستَفزِز) ما دام لك مدد (يُثَبِتُ اللَهُ الَّذَينَ آَمَنوا) هبت عواصف التكليف البشري فلم يتماسك " هاروت " و " ماروت " فرمى بهما رمي " عاد " وقال موافق (أَتَجعَلُ فيها) إن للحرب رجالا خلقوا، كانت الملائكة تدعو على العصاة قبل " هاروت " و " ماروت " فلما جرت قصتهم صاروا يسبحون لمن في الأرض، كما كان " داود " يقول: لا تغفر للخطائين، فلما زل عرف.
  275. وَعَذَلتُ أَهلَ العِشقِ حَتى ذُقتُهُ ... فَعَجِبتُ كَيفَ يَموتُ مِن لا يَعشَقُ
  276. وَعَرَفتُهُم وَعَرَفتُ ذَنبي أَنَني ... عَيَّرتُهُم فَلَقَيتُ فيهِم ما لَقوا
  277. خب بحر الأمانة فوقفت الملائكة على الساحل ونهضت عزيمة الآدمي لسلوك سبيل الخطر، والمحب لا يرى العواقب، ولسكران الوجد إقدام.
  278. يَغلِبُني شَوقي فَأَطوين السُّرى ... وَلَم يَزَل ذو الشَوقِ مَغلوباً
  279. أين مجاهدة الآدمي من تعبد الملائكة، حال الآدمي أعجب، تسبيح الملائكة يدور على ألسنتهم بالطبع، تعبدهم لا عن تعب، ورد شجرهم خال من شوك الحب، الأغلب على أوصافهم أنوثية السلامة، لا ذكورية الجهاد، سبح تسبيحهم عقود ما نظمها التكليف، ثمرات زرعهم نشأت لا عن كلف، ساقها سيح العصمة، فكثر في زكوات تبعدهم قدر الواجب (وَيَستَغفِرونَ لِمَ، في الأرض) ظنت الملائكة أن أيدي العصمة أصنع من نظم التسبيح، ونسوا أن يبس الأشجار أيام الشتاء سبب لزهر النور في الربيع.
  280. الفصل التاسع عشر
  281. عزيمة الرجالالعزائم في قلوب أربابها كالنار تشتعل، إنها لتستعمل البدن ولا تحس بالتعب.
  282. يغلبني شوقي فأطوي السرى للعزائم رجال ليسوا في ثيابكم، وطنوا النفوس على الموت فحصلت الحياة.
  283. لَو رَأَيتَ ذا العَزمِ قَد بَرَزَ في بُرازِ الجَدِيَمُدُ عِناناً لَم تُخنِةَ الشَكائِمُ
  284. فلما عاين هولا يلين له قلب الجبان، حن إلى عوده المعجوم من الإصابة، فهو في صف الجهاد أثبت قلبا من القطب في الفلك، إن جن الليل لم تتصافح أجفانه، لا تنتظر لقيامه وقت السحر، وكيف وغلة الصادي تأبى له.
  285. انتظارا لوراد، فما مضى إلا قَليلٌ فَإِذا بِهِ ... عَلى قِمَةِ المَجدِ المُؤَثًلِ جالِسُ
  286. من لم يقم في طلاب المجد ... لم ينم في ظلال الشرف
  287. تَقولُ سُلَيمى لَو أَقَمتَ بِأَرضِنا ... وَلَم تَدر أَني لِلمُقامِ أَطوفُ
  288. كل الصحابة هاجروا سرا، و " عمر " خرج ظاهرا وقال للمشركين: ها أنا اخرج إلى الهجرة، فمن أراد لقائي فليلقني في بطن هذا الوادي.
  289. فليت رجالا فيك قد نذروا دمي مذ عزم " عمر " على طلاق الهوى أحد أهله عن زينة الدنيا، فكان بيته - وهو أمير المؤمنين - كبيت فقير من المسلمين.
  290. تَجَمَعت في فُؤادِهِ هَمَمُ ... مِثلُ فُؤادِ الزَمانِ إِحداها
  291. كان رضي الله عنه يقول: لئن عشت لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى أحد بعدي.
  292. وَهِمَّةٌ بَعَثتُها هِمِةُ زُحَلُ ... مِن تَحتِها بِمَكانِ التُّربِ مِن زُحَلِ
  293. لما ولي " عمر بن عبد العزيز " سمع البكاء في داره، فقيل: ما لهم؟ قيل: إنه خير النساء والجواري قال: من شاءت فلتقم، ومن شاءت فلتذهب، فإنه قد جاء أمر شغلني عنكن.
  294. أَقسَمُ بِالعِفَةِ لأتيِّمَهُ ... ظَبيٌ رَنا أَو غُصنُ تَأَوَّدا
  295. وَكُلَما قيلَ لَه تَهِنَّ قَد ... حَزَتِ المِنى فَقَد جَزَت المَدى
  296. واعجبا! أين العزائم؟ إن العجز لشريك الحرمان، وإيثار الراحة يورث التعب.
  297. وَالهُونَ في ظلِ الهُوينا كامِنٌ ... وَجَلالَةُ الأَخطارِ في الأخطارِ
  298. اغسل وجه الجد من غبار الكسل، وأنفق كيس الصبقر في طريق الفضائل، إن كانت لك عزيمة فليس في لغة أولي العزم ربما وعسى.
  299. لَيسَ عَزماً ما مَرِض القَلبُ فيه ... لَيس هَماً ما عاقَ عَنهُ الظَلامُ
  300. الفصل العشرون
  301. الظلام والتيهيا تائها في ظلمة ظلمه، ياموغلا في مفازة تيهه، يا باحثا عن مدية حتفه، يا حافرا زبية هلاكه، يا معمقا مهواة مصرعه، بئسما اخترت لأحب الأنفس إليك.
  302. ويحك! تلمح الجادة فأنت في ظلال عين أملك ترى المحبوب وتعمى عن المكاره، إذا كان عمرك في إدبار والموت في إقبال، فما أسرع الملتقى، كيف يبقى على حالته من يعمل الدهر في إحالته؟ كيف تطيب الدنيا لمن لا يأمن الموت ساعة، ولا يتمل له سرور يوم؟ كم قرع الزمان بوعظه فما سمعت (لِيُنذِرَ مَن كانَ حَياً) صاح ديك الإيقاظ في سحر ليل العبر فما تيقظت، فتنبه إذا نعق غراب البين بين البين.
  303. وَمَشَتِتِ العَزَماتِ يُنِفقُ عُمرَهُ ... حَيرانَ لا ظَفَرٌ وَلا إِخفاقُ
  304. يا مؤثرا ما يفني على ما يبقى، هذا رأي طبعك، هلا استشرت عقلك لتسمع أنصح النصائح، من كان دليله البوم كان مأواه الخراب.
  305. ويحك! شهوات الدنيا أحلام يزخر منها نوم الغفلة، ونظر الجاهل لا يتعدى سور الهوى، ولا يخرق حجاب الغفلة، فأما ذو الفهم فيرى ما وراء الستر، لاحت الشهوات لأعين الطباع فغمض عنها (الَّذَينَ يُؤمِنونَ بالغَيب) فوقع أكثر الخلق في التيه، والقوم (عَلى هُدى مِن رَبِهِم).
  306. رحل الصالحون وفي القوم تثبط، تالله لقد علموا شرف المقصد، ولكن بعدت عليهم الشقة، واأسفا! لو عرفوا عمن انقطعوا لتقطعوا، يصبحون في جمع الحكام، ويبيتون على فراش الآثام، وينفقون في الهوى بضائع الأيام (أَُولَئِكَ الَّذَينَ اِشتَروا الضَلالَةَ بِالهُدى) سلمت إليهم أموال الأعمار فأنفقوها في ديار البطالة (فَما رَبِحَت تِجارَتُهُم) هذا والعبر تصيح (فَهَل يَنتَظِرونَ إِلا مِثلُ أَيامِ الَّذَينَ خَلَوا مِن قَبلِهِم) غير أن المسامع قد تملكها الصمم، ويحهم!! هلا تدبروا فساد رأي أمل (وَأَن عَسى أَن يكونَ قَد اِقترَبَ أَجَلُهُم) إن في الماضي للمقيم عبرة، وليس المرء من غده على ثقة، ولا العمر إذا مر يعود، وغواري الليالي في ضمان الإرتجاع، والدهر يسير بالمقيم، فاشتر نفسك والسوق قائمة والثمن موجود، ولا تسمعن حديث التسويف.
  307. فَما لِغَدٍ مِ، حادِثٍ بِكَفيلِ
  308. الفصل الحادي والعشرون
  309. الإنتصار على الهوىلما عرف الصالحون قدر الحياة أماتوا فيها الهوى فعاشوا، انتهبوا بأكف الجد ما قد نثرته أيدي البطالين، ثم تخيلوا القيامة فاحتقروا الأعمال فماتت قلوبهم بالمخافة، فاشتاقت إليهم الجوامد، فالجذع يحن إلى الرسول، والجنة تشتاق إلى " علي " .
  310. كم شخص أشخصه الشوق إلى الحج، يكاد مودع المواثيق قبل تقبيله يقبله، فلما قضى الناسك المناسك، ثم رجع، بقي سهم الشوق إليه في قلب منى، خواطرهم تراقب حدود الشرع، وقلوبهم وقف على محبة الخالق.
  311. وَقَفَ الهَوى بي حَيثُ أَنتَ فَلَيس لي ... مُتَقَدّمٌ عَنهُ وَلا مُتَأَخّرُ
  312. أنفوا من مزاحمة الخلق في أسواق الهوى، وقوي شوقهم فلم يحتملوا حصر الدنيا، فخرجوا إلى فضاء العز في صحراء التقوى، وضربوا مخيم المجد في ساحة الهدى، وتخيروا شواطىء أنهار الصدق، فشرعوا فيها مشارع البكاء، وانفردوا بقلقهم فساعدهم ريم الفلا، وترنمت بلابل بلبالهم في ظلام الدجى، فلو رأيت حزينهم يتقلب على جمر الغضا.
  313. فيا محصورا عنهم في حبس الجهل والمنى، إن خرجت من سجنك لترويح شجنك من غم البلاء، عرج بذلك الوادي. تلمح القوم الوجود ففهموا المقصود، فجمعوا الرحل قبل الرحيل، وشمروا في سواء السبيل، فالناس يخوضون في وحل الإكتساب، وهم في ظل القناعة، ومرض الهوى يستغيثون في مارستان البلاء، وهم في قصور السلامة، وكسالى البطالة على فراش التواني وهم في حلبات السباق (يَرجونَ تِجارَةً لَن تَبور) يجرون خيل العزائم في ميادين المبادرة، ويضربون الدنيا بصولجان الأنفة، فما مضت إلا ايام حتى عبروا القنطرة، وقد سلموا من المكس. غناهم في قلوبهم (سيماهُم في وُجوهِهِم) ما ضرهم ما عزهم، أعقبهم ما سرهم، هان عليهم طول الطريق لعلمهم بشرف المقصد، وحلت لهم مرارات البلاء لتعجيل السلامة، فيابشراهم يوم (هَذا يُومُكُم).
  314. شَقينا في الهَوى زَمناً فَلَما ... تَلاقينا كَأَنّا ما شَقَينا
  315. سَخِطنا عِندَما جَنَتِ اللَيالي ... فَما زالَت بِنا حَتى رَضينا
  316. سِعدنا بِالوِصالِ وَكَم سُقينا ... بِكاساتِ النَعيمِ وَكَم شُقينا
  317. فَمَن لَم يَحيَ بَعدَ المَوتِ يَوماً ... فَإِنّا بَعدَ مَيتَتِنا حَيِينا
  318. الفصل الثاني والعشرون
  319. دموع المذنبينسبحان من يرسل رياح المواعظ فتثير من قلوب المتيقظين غيم الغم على ما سلف، فتسوقه إلى بلد الطبع المجدب برعد الوعيد، وبريق الخشية، فترقأ دموع الأحزان من قعر بحر القلب إلى أوج الرأس، فتسيل ميازيب الشؤون على نطوع الوجنات، فإذا أعشب السر تهتز فرحا بالإجابة.
  320. سَلي عَنهُ تُخبر باليَقينِ دُموعُهُ ... وَلا تَسأَلي عَن قَلبِهِ أَين يَمّما
  321. وَفَجعَةُ " عمرو " مِثلُ هَرعَةِ " مالِكِ " ... وَيَقبُحُ بي أَن لا أَموتُ مُتيَّما
  322. إذا أَرعدت سحائب التخويف انزعج لها قلب المذنب فانفتحت صحائف أصداف سره كانفتاح أصداف البحر لتلقي قطر نيسانن فقطرت فيها قطرات عزائم عقدها لؤلوا، ربيع العرفان التوبة الصادقة، كيمياء السعادة إذا وضعت منها حبة صافية على جبال من أكدار الذنوب دكتها كهيبة التجلي قبل المباشرة، فصارت كحلا مصلحا لأحداق البصائر.
  323. رب ذنب أدخل صاحبه الجنة، إذا صدق التائب قلبت الأمارة مطمئنة، لما أخذ الخليل عليه السلام في طريق الصبر فتبعه الذبيح واستسلما، ألقي على السكين السكون، إذا جالس التائب رفيق الفكر، أعاد عليه حديث الزلل، وندمه على ركوب الخطل، فرأيت العين التي كانت فجرت قد انفجرت، وسمعت لسان الأسى يعيد لفظة: لا أعود وعانيت عامل اليقظة قد بث عمال الجد في رستاق القلب للعمارة، فيا أيها المذنب: إذا أشكل عليك أمر فليفصح لك دمعك.
  324. إِذا أَعجَمَت أَطلالُ هِندٍ عَلى البِلا ... فَدمعُكَ في بَثِّ الغَرامِ فصيحُ
  325. يا مطلقا في وصالنا راجع، يا حالفا على هجرنا كفر، إنما أبعدنا إبليس لأنه لم يسجد لك.
  326. فواعجبا!! كيف صالحته وهجرتنا!!؟ ويحك لك من عندنا من القدر ما لا تعرفه لليلة القدر.
  327. رَعى اللَهُ مِن نَهوى وَإِن كانَ ما رَعى ... حَفِظنا لَهُ الوُدَّ القَديمَ وَضَيَّعا
  328. وَصالَحَتَ قَوماً كُنتُ أَنهاكًَ عَنهُم ... وَحَقَّكَ ما أَبقيتَ للِصُلحِ مَوضِعا
  329. الفصل الثالث والعشرون
  330. في ترك الشهواتحبال الدنيا خيال تعز العز، انقطعت منذ الصلة اتصلت بعزة " فرعون " الهوى. إذا ألقى موسى الزهد عصا الشهوات إذا هي تتلقف.
  331. الدنيا سوق فيها ضجيج الشهوات، فإذا اشتغلت بها فمن يسمع المواعظ، نادى بالصالحين أمير " نمل " التوفيق، عند ممر " سليمان " البلاء، كفوا أكف الطباع عن تناول لقم الهوى (لا يُحَطِمَنِكُم سُليمانَ وَجُنودَهُ).
  332. (سبعة يظلهم الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله، منهم رجل دعته امرأة ذات جمال إلى نفسها فقال إني أخاف الله) اسمع يا من أجاب عجوزا شوهاء، لاح للأولياء حب المشتهى فمدوا أيدي التناول، فبان للبصائر خيط الفخ، فطاروا بأجنحة الحذر، وصوت مناديهم إلى الرعيل الثاني (يا لَيتَ قَومي يَعلمون).
  333. ما أصعب السباحة في غدير التمساح؟ ما أشق السفر في الأرض المسبعة، أي مقيد الوجود في فناء الفناء: قامت قيامة الملامة وما تسمع، لقد نصحك صوت النصح، ولكن صلج الآذان مانع.
  334. كم لاحت لك شهوة تردي، و " يعقوب " المواعظ يعض أنامل التحذير يوم البرهان؟ وأنت لا تلتفت.
  335. ويحك أحضر الطبع الجاهل مجلس التفكر، فقد فهم " حبيب العجمي " وعظ الحسن.
  336. يا مقيما على الهوى وليس بمقيم، يا مبذرا في بضاعة العمر، متى يؤنس منك رشد؟ يا أكمه البصيرة ولا حيلة فيه " لعيسى " أي طويل الرقاد ولا نومة أهل الكهف: قدر أن الموت لا يتفق بغتة، أليس المرض يبغت؟.
  337. ويحك قد بقي القليل فاستدرك ذبالة السراج، أما يزعجك صوت الحادي؟ أما يؤلمك سوط السائق؟
  338. لَهَفي عَلى غَفَلاتِ أَيامٍ مَضَت ... عَني وَما لَهَفي بِراجِعٍ ما مَضى.
  339. يا دائرة الشقا: أين أولك؟ يا أرض التيه: متى آخرك؟ يا " أيوب " البلاء: كم تقيم على الكناسة؟ أما حان حين (اِركض).
  340. خَليلي ما أرجو مِنَ العَيشِ بَعدَما ... أَرى حاجَتي تُشرى وَلا تُشتَرى لَيا
  341. يا محصرا عن الوصال لا في سفر الحج، وضالا عن الهدى لا يجزيه الهدي، يا منقطعا في سبيل السلوك عن جملة الوفد، إذا احتسبت في مرض الهوى بموت الطرد، فتحامل إلى فناء خيمة أهل الوصل، وأشهد على وصيتك من المقبولين ذوي عدل، وناد بانكسار الذل على حسرة الفوت.
  342. إِذا ما وَصَلتُم سالِمين فَسَلِّموا ... عَلى خَيرَةِ المَعالي بتَسنَموا
  343. ؟
  344. الفصل الرابع والعشرون
  345. إياك والذنوبأعظم المصائب شماتة الأعداء، وعداوة الشيطان قديمة من يوم (أَبَى وَاستَكبَر) وحسد إبليس من يوم (أَتَجعَلُ) وفرح النظراء بك أعظم الكل، وما انتقم منك حاسد بأكثر من تفريطك، ولا انتقمت منه بأعظم من تقويمك، فالحظ كيف أبت نفسك الحظ وأنلت الحاسد المراد:
  346. ما بَلغَ الأعداءَ مِن جاهِلٍ ... ما بَلَغ الجاهِلُ مِن نَفسِهِ
  347. ويحك تبصر عن الهوى تحمد عواقب السلامة
  348. فإِنّ المَرءَ حينَ يَسُرّ حِلوٌ ... وَإِنّ الحِلوَ حينَ يَضُرُ مُرُّ
  349. فَخُذ مُرّاً تُصادِف عَنهُ حِلواً ... وَلا تَعدِلُ إلى حِلوٍ يَضرُّ
  350. إياك والذنوب، فلو لم يكن فيها إلا كراهة اللقاء كفىعقوبة. أطيب الأشياء عند " يعقوب " رؤية " يوسف " وأصعبها عند إخوته لقاؤه. إذا كان القلب نقيا ضج لحدوث المعصية، فإذا تكررت مرت عليه ولم ينكر، كانت الخطيئة عنده غريبة فاستوحش، فلما صارت بليد الطبع لم ينفر.
  351. لابس الثوب الأسود لا يجزع من وقوع الحبر عليه، يا جرحى الذنوب قد عرفتهم المراهم، إن لم تقدروا على أجرة نائحة فنسكوا رؤوس الندم، فما يخفى صاحب المصيبة، فإن فاتكم عز " معاذ " فلا تعجزوا عن ذل الثلاثة الذين خلفوا.
  352. خذوا دليل العزم إن لم تعرفوا سبيل الوصول، فلعل حيرة الطالب توقعه على ماء " مدين " سيروا في بوادي الدجى، وأنيخوا بوادي الذل في كسر الإنكسار، وأصيخوا بأسماع اليقظة لعل حداء الواصلين تحرك أطراب القلوب، لا بل ربما عوق السائرون لوصول المنقطع، فكم قد صار في الرعيل الأول من كان في الساقة؟ لا تملوا الوقوف ولو طردتم، ولا تقطعوا الإعتذار وإن رددتم، فإن فتح باب للواصلين دونكم اهجموا هجوم الكدائين، ونكسوا رؤوس الفقر، وابسطوا أكف (وَتصَدَق عَلَينا) لعل هاتف القبول يقول: (لا تَثريبَ عَلَيكُم).
  353. وَإذا جِئتُم ثَنياتِ اللَوى ... فَلَجوا ربعَ الحِمى في خَطري
  354. وَصَفوا شَوقي إِلى سُكانِهِ ... وَاذكروا ما عِندَكُم مِن خَبَري
  355. وَحَينَني نَحو أَيامٍ مَضَت ... بِالحُمى لَم أَقضِ مِنها وَطَري
  356. كُلَما اِشتَقَتُ تَمَنَيتُكُم ... ضاعَ عُمري في المُنى واعمري
  357. ؟الفصل الخامس والعشرون محبة الله سبحانه
  358. الجنة ترضي منك بالزهد، والنار تندفع عنك بترك الدنيا، والمحبة لا تقنع إلا بالروح، إن سلطان المحبة لا يقبل الرشا. أيها الطالب لي: اخرج إليّ عنك، قلبك ضعيف لا يفي بي وبك، إما أنت وإما أنا، افقد نفسك تجدني. لما نسي " الخليل " نفسه قويت صولته يوم " أما إليك فلا " ما سلك قط طريقا أطيب من تلك الفلاة التي دخلها عند انفصاله من المنجنيق. زيارة تسعى فيها أقدام الرضى على أرض الشوق شابهت ليلة " فزجني في النور " فقال: (ها أَنتَ وَرَبُك).
  359. زُرناكَ شَوقاً وَلَو أَنّ الفُلا بُسِطَت ... نَشرُ الفُلا بَينَنا جَمراً لَزُرناكَ
  360. لاحت أوصاف الصانع في جمال الكمال، فأُشربت قلوبهم حبه، فصاح غلاء الثمن.
  361. بدم المحب يباع وصلهم.
  362. فأجاب عزم المحبة: وما غَلَت نَظرَةٌ مِنكُم بِسَفكِ دَمِ قلبهم الحب في قفر على أكف البلاء، فقطع أوداج الأغراض بسكين المسكنة، والمحبوب يقول (أَتَصبِرون) والأرواح تجيب: (لا ضَيرَ)
  363. شَغَلتُ نَفسي وَقَلبي في مَودَتِكُم ... لا خَلَّص اللَهَ روحي مِن محَبَتِكُم
  364. ها قَد غَضِبتُ عَلى نَفسي لأجلِكُم ... حَتى جَفوتُ حَياتي بَعدُ جَفوَتِكُم
  365. إِذا تَلَهَّبَ جَمرُ الشَوقِ في كَبَدي ... أَطفاهُ ماءُ التَلاقي عِندَ رُؤيَتِكُم
  366. غاب القوم عن وجودهم شغلا بموجدهم طرق طارق باب " أبي يزيد " وقال: ههنا أبو يزيد؟ فصاح أبو يزيد: أبو يزيد يطلب أبا يزيد فما يراه!!! ؟ لا يعرف رموز الأحباب إلا مجانس، سل ليلى عن حال المجنون؟ بلغت بهم المحبة إلى استحلاء الآلام لعلمهم أنها مراد الحبيب.
  367. وكل ما يفعل المحبوب محبوب لما طعن " حرام بن ملحانط قال: فزت ورب الكعبة.
  368. ضني :سويد بن شعبة " على فراشه فكان يقول: والله ما أحب أن الله نقصني منه قلامة ظفر.
  369. تَعجَبوا مِن تَمنّي القَلبِ مؤلَمَهُ ... وَما دَروا أَنّهُ أَحلى مِنَ العَسَلِ
  370. المحبوب محبو وإن عذب. استقرت جبال المحبة في أرض القلوب، فلم تزعزعها عواصف البلاء.
  371. أمر " الحجاج " بصلب " ماهان " العابد فوق خشبة، فصلب وهو يسبح ويعقد بيده حتى بلغ تسعا وعشرين، فبقي شهرا ويده على ذلك العقد.
  372. لُتحشرنَّ عِظامي بَعدَما بَكيتُ ... يَومَ الحِسابِ وَفيها حُبُّكُم عَلَقُ
  373. إذا وقعت المعرفة في القلب سهل البلاء، فإن مازجتها المحبة فلا أثر للبلاء، لأن المحب يستلذ إذن كل أذى.
  374. عَذابُهُ فيكَ عَذبُ ... وَبَعدَه فيكَ قُربُ
  375. وَأَنتَ عِندَهُ كَنَفسي ... بَل أَنتَ عِندي أَحبُّ
  376. مروا على مجذوم قد قطعه الجذام فقالوا: لو تداويت، فقال: لو قطعتني قطعا، ما ازددت له إلا حبا.
  377. وَاعجَباً ما للِعُذولِ وَمالَهُم ... قَد رَضيَ المَقتولُ كُلَّ الرِضا
  378. الفصل السادس والعشرون
  379. طلب العلمالعلم والعمل توأمان، أمّهما علو الهمة. أيها الشاب: جوهر نفسك بدراسة العلم، وحلها بحلة العمل، فإن قبلت نصحي لم تصلح.
  380. إلا لصدر سرير أو لذروة منبر من لم يعمل بعلمه، لم يدر ما معه، حامل المسك إذا كان مزكوما فلا حظ له فيما حمل. بحر قلب العالم يقذف إلى ساحل اللفظ جواهر النطق، فتلتقطها أكف الفهم.
  381. تالله إن العالم لخاتم خنصر الدهر. العلماء غرباء في الدنيا لكثرة الجهال بينهم. تصنيف العالم: ولده المخلد. للعالم علم.
  382. أيها المعلم: ثبت على المبتدي (وَقَدِر في السَرد) فالعالم رسوخ، والمتعلم قلق. ويا أيها الطالب: تواضع في الطلب، فإن التراب لما ذل لأخمص القدم، صار طهورا للوجه، ولا يتأس مع مداومة الخير أن يقوى ضعفك، فالرمل مع الزمان يستحجر. صابر ليل البلاء، فبعين الصبر ترى فجر الأجر، ما يدرك منصب بلا نصب، ألا ترى إلى الشوك في جوار الورد.
  383. أيها المبتدي: تلطف بنفسك، فمداراة الجاهل صعبة، تنقل من درج الرخص إلى سطوح العزائم ولا تيأس من المراد، فأول الغيث قطر ثم ينسكب.
  384. ندم على حضور المجلس، فالطفل يحتاج كل ساعة إلى الرضاع، فإذا صار رجلا صبر على الفطام، على أن الماء إذا كثر صدمه للحجر أثر. يا عطاش الهوى في تيه القوى: انحرفوا إلى جادة العلم، فكم في فيافي التعلم من عين تعين على قطع البادية.
  385. يا جَيرَةَ الحَي هُبُّوا مِن رُقادِكُمُ ... فَلي حَديثٌ لَه مَعَ سَمعِكُم شُغُلُ
  386. طريق الفضائل مشحونة بالبلاء، ليرجع عنها محنث العزم، إذا نزلت بالحازم بلية فوجد مذاقها مرا، أدار في الفكر حلو العواقب، فنسخ وسخ ما رسخ. العاقل صابر للشدائد لعلمه بقرب الفرج، والجاهل على الضد، كما أن النار إذا اشتعلت في حطب الزيتون لم يدخن، بخلاف السوس، ألا إن الطبع طفل، والعقل بالغ.
  387. وَعاقِبَةُ الصَبرِ الجَميلِِ جَميلَةٌ ... فَلا تَسأَمَنَّ الصَبرَ وَاصبِِر لَعَلَها؟؟.
  388. الفصل السابع والعشرون
  389. الدنيا لا تصلح للتوطنإخواني: الدنيا ملتقى الوداع، فاصبروا لما مر منها فكأن قد مر، واحذروا شرها فقد سحرت سحرة بابل، مكارهها في غصون المحبوب وأعقابه، ما أمسى أحد منها في جناح آمن، إلا أصبح على قوادم خوف.
  390. وَكَم سَلَبتُك حَبيباً ... وَأَنتَ عَلى حُبِها أَفيقُ
  391. أُفُقُ قَد أفاقَ الوامِقُونَ وَقَد أَنّى ... لِدائِكَ أَن يَلقى طَبيباً يُلائِمُهُ
  392. أفنيت عمرك في طلبها، وما حصل بيدك إلا ما حصل بيد " المجنون " من " ليلى " .
  393. صَحا كُلَ عَذريِّ الغَرامِ مِنَ الهَوى ... وَأَنتَ عَلى حُكمٍ الصَبابَة نازِلُ
  394. تصحو في المجلس من خمار الدنيا ساعة ثم تستبيك حميا الكاس، وليس في البرق اللامع من مستمتع، لمن يخوض الظلمة، كما أعطف عطفك بلجام اليقظة، فإذا انقضى المجلس عاد الطبع ثاني عطفه.
  395. وتأبى الطباع على الناقل جسمك عندنا، وقلبك غائب عنا، عزمك في طلب الدنيا، وتشتهي نيل الآخرة.
  396. هَواها وَرواها وَالسُّرى من أمامها ... فَهُنّ صَيحاتُ النَواظِرِ حُوّلُ
  397. الدنيان مفازة لا تصلح للتوطن، إن البيدر إذا صفي حمل إلى دار الإقامة.
  398. واعجبا لمن أطال الوقوف على القنطرة حتى نسي اسم البلد، ويحك. كسب الدنيا لذيذ غير أن الحساب عليها شديد، ساعة الحمل لعب، والجد في الولادة. نثار السكر في مبدأ العقد. مزاج لمرارة الوضع. الدنيا كامرأة فاجرة لا تثبت مع زوج فلذلك عيب طلابها.
  399. مَيَزَت بَينَ جَمالِها وَفَعالِها ... فَإِذا المَلاحَةُ بِالخِيانَةِ لا تَفي
  400. حَلَفتُ لَنا أَن لا تَخونَ عُهودَها ... فَكَأَنَما حَلَفتَ لَنا أَن لا تَفي
  401. الدنيا قنطرة على بحر الهلاك، فخذوا بالحزم في تعلم السباحة قبل الجواز، فما تأمن عثور قدم ولا عاصف قاصف، احذرها آمن ما تكون منها، وانتظر حزنها أسر ما تكون منها.
  402. إِذا رَأَيتَ نيوبَ اللَيثِ بارِزَةً ... فَلا تَظُنّنَّ أَن اللَيثَ يَبتَسِمُ
  403. الدنيا دار ابتلاء تشبه قصر مصر، استبق لاباب فيها " يوسف " الصبر، و " زليخا " الهوى، وقمص الأعمال تعرض على " يعقوب " الشفاعة، فمن رأى قميصه قد قد من قبل قال: سحقا سحقا، ومن رأه قد قد من دبر قال: ادخرت شفاعتي.
  404. فيامن قد ألقاه الهوى في جب حب الدنيا، سيارة القدر تبعث كل ليلة وارد: (هَل مِن سائِل؟ " فكن متيقظا للوارد إذا أدلى دلو التخليص، وقم على قدم (تَتَجافَى) وامدد أنامل (يَدعونَ رَبَهُم) وألق ما في يمينك لتتعجل الخروج، ولا تتشبث بأرجاء بئر الهوى، فإنها رمل تنهار عليك، فإذا تخلصت بعزائمب الإنابة فاحذر من الطريق المسبعة، وسر في مصباح اليقين خلف دليل الهوى: فعند الصباح يحمد القوم السرى.
  405. الفصل الثامن والعشرون
  406. اقترب للناس حسابهمصاح بالصحابة واعظ (اِقتَرَبَ لِلناسِ حِسابُهُم) فجزعت للخوف قلوب، فجرت للحزن عيون (فَسالَت أَودِيَةُ بِقَدَرِها).
  407. رمى " الصديق " ماله حتى ثوبه على " المدكر " وتخلل بالعبا، وقال " عمر " : ليتني كنت نبة؟؟ وقال عثمان: ليتني إذا مت لا أبعث.
  408. صاح " علي " بالدنيا: طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، وقد كانت تكفي واحدة، لكنه كيلا يتصور الهوى جواز المراجعة، وطبعه الكريم يأنف من المحلل.
  409. وقال: " أبو الدرداء " : ليتني كنت شجرة تعضد.
  410. وقال " عمران بن حصين " ليتني كنت رمادا.
  411. أنت تسمع القرآن لكن لا كما سمعوه.
  412. لَو يَسمَعونَ كَما سَمِعتُ كَلامَها ... خَرَّوا لِعِزَّةَ رُكَّعاً وَسُجوداً
  413. إقدام العارفين على التعبد، قد ألفت أقدامها الصفوف، تعتمد على سنابك الخوف، فإذا أثر النصب راوحت بين أرجل الرجاء.
  414. انقسم القوم عند الموت، فبعضهم صابر الخوف حتى انقضى نحبه. " كعمر " كان يقول عند الرحيل: الويل لعمر إن لم يغفر له.
  415. ومنهم من أقلقه عطش الحذر، فتبرد بماء الرجا، " كبلال " كانت زوجته عند الموت تقول: واكرباه وهو يقول: واطرباه، غدا ألقى الأحبة، محمدا وصحبه، علم بلال أن الإمام لا ينسى المؤذن، فمزج الموت براحة الرجاء.
  416. بَشَّرَها دَليلُها وَقالا ... غَداً تَرينَ الطَلحَ وَالجِبالا
  417. قال " سليمان التيمي " لولده عند الموت: اقرأ علي أحاديث الرخص لألقى الله تعالى وأنا حسن الظن به.
  418. إلى متى تتعب الرواحل ولا بد لها من مناخ:
  419. رِفقاَ بِها يا أَيُها الزاجِرُ ... قَد لاحَ سَلعٌ وَبَدا حاجِرُ
  420. وَخَلِّها تَسحَبُ أَرسانَها ... عَلى الرِبا لا راعَها ذَاعِرُ
  421. وَاذكُر أَحاديثَ لَيالي مِنى ... لا عًدِمَ المَذكورُ وَالذاكِرُ
  422. يا مخنث العزم: أين أنت والطريق نصب فيه " آدم " ؟ وناح لأجله " نوح " ورمي في النار " الخليل " واضطجع للذبح " اسحاق " وبيع " يوسف " بدراهم بخس ونشر بالمناشير " زكريا " وذبح الحصور " يحيى " وضني بالبلاء " أيوب " وزاد على القدر بكاء " داود " وتنغص في الملك عيش " سليمان " وتخير بأرني " موسى " وهام مع الوحوش " عيسى " وعالج الفقر " محمد " .
  423. فَيا دَارَها بالحُزنِ إِنَّ مَزارَها ... قَريبٌ وَلَكِن دَونَ ذَلِكَ أَهوالُ
  424. أول قدم في الطريق بذل الروح. هذه الجادة فأين السالك، هذا قميص " يوسف " فأين يعقوب هذا طور سينا فأين " موسى " يا جنيد احضر، يا " شبلي " اسمع.
  425. بِدمِ المُحِبِ يُباعُ وَصلُهُمُ ... فَمَن ذا الَّذي يَبتاعُ بالسِّعرِ
  426. الفصل التاسع والعشرون
  427. في بديع خلق اللهحلل الوجود متلونة الأصباغ تجلى على عرائيس الموجودات لتروق أعين العباد، واعجبا! لو دخلت بين ملك لم تزل تعجب من نقوشه. فارفع بصر التفكر، واخفض عين البصيرة، فهل رأيت أحسن من هذا الكون؟ اخرج من ديار إدبارك، واعبر من معبر اعتبارك، قف في بقاع قاع ترى كيف نمت خضرة حضرته بأسرار الخالق، إذا نمت تلح أصناف النبات في ثياب الثبات، قد برز في عيد الربيع يميس طربا فرحا بالري، تأمل مختلف الألوان في الغصن الواحد، كيف صاغها صانع القدرة؟؟ تلمح إشارتها كيف ترشد الغافلين إلى صانعها؟؟ وهم مشغولون في خضم مأكل الهوى. اسمع الورق على عيدان الورق، لعل مقاطع السجوع توجب رجوع المقاطع.
  428. وَلَقَد أشكو فَما أَفهَمُها ... وَلَقَد تَشكو فَما تَفهَمُني
  429. غَيرَ أني بالجوى أعرِفُها ... وَهيَ أَيضاً بِالجوى تَعرِفُني
  430. واعدجبا كيف تتفكر بالغير وتنسى نفسك؟؟ تأمل بعين الفكر نطفة مغموسة في دم الحيض، ونقاش القدرى يشق سمعها وبصرها من غير مساس، بينما هي ترف في ثوب نطفة اكتست رداء علقة، ثم اكتست صفة مضغة، ثم انقسمت إلى لحم وعظم، فاستترت من يدي الأذى بوقاية جلد، ثم خرجت في صفة طفل، ثم اترقت مراقي الصبي، فتدرجت إلى نطاق النطق، وتشبثت بذيل الفهم، فكم من مصوت صوت بين أرجل التنقل، من تحريك جلاجل العبر، في خلاخل الفكر.
  431. كلما رنت غنت ألسن الهدى في مغاني المعاني، وكيف يسمع أطروش الشقوة؟ هيهات ليس للمزكوم من الورد نصيبن ولا للمسجون من العيد حظ، فإن كنت تعرف هذه العجائب ولا تتعجب منها، فتعجب من عدم تعجبك.
  432. كيف عدمت التفكر مع آلات الفهم، وأعميت بصيرتك بعد رؤيةب الحق، فإن أعجب أفعال القدرة ولقد (أَضَلَهُ اللَهُ عَلى عِلم).
  433. الفصل الثلاثون
  434. الناس فقراء إلى الله تعالىلطف الحق بعبده قديم، لما أظهر الولد أجرى له عين اللبن تغربل قطرها عيون الثدي، وبذر في قلب الوالدين حب الحب، حتى جدا في اللطف جدا، فلما عرف المنعم أنفق النعم في المعاصي.
  435. وَكَم لَيلَةٍ قَد باتَ عارٍ مِنَ التُقى ... يُغَطيهِ سَترُ الحِلمِ يا لَيتَهُ دَرى
  436. ولما بلغ أشده استوى على ظهر متن المبارزة: لمن؟ مع من؟ إلى أين؟ من أنت؟ من أنا؟.
  437. لَحا اللَهُ مَن لا يَنفَعُ الوُدُّ عِندَهُ
  438. يا هذا: لنا بك لطف يزيد على كل لطف، إذا تبت من الذنب أنسينا الملك ما كتب وإذا حاسبناك سترناك كيلا يرى الخلق اصفرار لونك بالخجل، يا طاهر الفطرة: لا تتدنس بأنجاس الزلل، شمر أذيال التقى عن مزبلة الهوى، واحذر رشاش الخطأ أن ينتضح أثواب النظافة.
  439. وحل التكليف يحتاج إلى قوة التحرز، فانظر بين يديك (فَإِن زَلَلتُم مِن بَعدِ ما جاءَتكُم البَينات) فعيون العيون تغسل أدران القلوب.
  440. كان أول أمرك سليما يوم (وَأَشهَدَهُم عَلى أَنفُسِهِم) فأصلح آخر أمرك تسامح في الوسط. يا طويل الغيبة عن وطن (أَلَستَ) أين حنين شوقك.
  441. نَقِّل فُؤادَكَ حَيثَ شِئتَ مِنَ الهَوى ... ماالحُبُّ إِلا لِلحَبَيبِ الأَول
  442. يا معرضا عنا: بمن تعوضت؟ يا ملتفتا عنا: لماذا فوضت؟؟ قف على الدرب وأنشد ظعائن الغاديني.
  443. أَلا خَبِرونا أَينَ زُمَّت رِكابُكُم ... وَأَينَ اِستَقَرَت هُوجُكُم وَمَطاكُم
  444. أنين المذنبين أحب إليّ من زجل المسبحين.
  445. المطيع يدل بالعمل، والمذنب ذليل بالزلل، والمخطىء يحرك أوتار الوجل، وينشد بتطريب الخجل.
  446. مَن مُعيدٌ ذي الأأثل أَوما ... قَلَّ مِنها دَيناً عَليَّ وَفَرضا
  447. سامِحاً بالقَليلِ مِن أَرضِ نَجدٍ ... رُبَّما أَقنَعً القَلَيلَ وَأَرضى
  448. واعجبا؟؟ يستقرض المالك قطرة من الدمع، وقد خلق سبعة أبحر (لَهُ مُلُكُ السَمَواتِ والأَرض) وقد بعث رسالة (مَن ذا الذي يُقرِضُ الله) الكبرياء ردائه، وهو يقول: جعت فلم تطعمني قطع أعناق الألسن أن تعترض بحسام (لا يَسأل) ثم أقبل بإنعام؟ هل من سائل.
  449. ما يسعه مسكسن، ويسعه قلب من تمسكن، غاب عن الأبصار، وبدا للبصائر.
  450. واعجبا يتحبب إليك وهو عنك غني، وتتمقت إليه فقير، إن تأخرت قربك، وإن توانيت عاتبك، ما آثر عليك من المخلوقات شيئا، وأنت تؤثر عليه كل شيء، فنكس رأس الندم، قبل العتاب، فمالك عن هذا جواب.
  451. صَحائِفُ عِندي لِلِعِتابِ طَويتُها ... سَتُنشَرُ يَوماً وَالحِسابُ يَطولُ
  452. الفصل الحادي والثلاثون
  453. تضرع الصالحينلما رأى الصالحون سطوة الدنيا بأهلها، وتملك الشيطان قياد النفوس، لجأوا إلى حرم التضرع، كما يأوي الصيد المذعور إلى الحرم.
  454. فلو رأيتهم يمشون في ثياب التجمل، عليهم قناع القناعة (يَحسَبُهُم الجاهِلُ أَغنياءَ مِنَ التَعَفُف) ينامون ولا نوم الغرقى، ويأكلون ولا أكل الثكلى تأكل كل يوم المصيبة، ولكن هدم الحزن أكثر من بناء العزاء.
  455. لو كانت لك عين بصيرة عرفت القوم، وخط الولاية على وجه الولي قلم هندي، لا يعرفه إلا عالم به، تلمح القوم بأعين البصائر العواقب، ولم يروا عائقا عن المطلوب سوى النفس، فتلطفوا لقهرها بحيلة لا يعرفها " ابن هند " ولا يعلمها " ابن العاص " فلما أسروها فتكوا فيها، ولا فتك ابن طملجم " قلوبُ أسودٍ في صدور رجال
  456. إِنّكَ لَو رَأَيتَ ذا العَزمِ مِنهُم رَأَيتَ لَيثا قَد حُورِب
  457. إِذا هَمَّ أَلقى بَينَ عَينَيهِ عَزمَهُ
  458. هبت زعازع الفكر، فقلبت أرض القلوب، فألقى فيها بذر العزائم، فسقته مزن الجد، فدبت الأرواح في أغصان المعاملة، فظهرت أزهارها، إذا رأوا ذكر الله ففاح عبير النور، أطيب عرفا من مسك، فقويت بريحه نفوس المريدين.
  459. لا يحصل خطير إلا بخطر، فاخنس في خيسك، يا مخنث العزم، الربح في ركوب البحر، الدر في قعر اليم، العلم في ترك النوم، الفخر في هجر النفس.
  460. من يحب العز يدأب إليه، فكذا من طلب الدر غاص عليه، لولا التخلل بالعبا ما جاءت مدحة " أنا عنك راض " لأبي بكر " ولولا إرسال البراءة إلى الضرة: طلقتك ثلاثا، ما اشتاقت الجنة إلى " علي " .
  461. لَو قُرِب الدَرُّ عَلى جٌلاّبِهِ ... ما لَجَّ الغائِصُ في طِلابِهِ
  462. وَلَو أَقامَ لازِماً أَصدافَهُ ... لَم تَكُنن التَيجانُ في حِسابِهِ
  463. مَن يَعشَق العَلياءَ يَلِق عِندَها ... ما لَقي المُحِبُّ مِن أَحبابِهِ
  464. الفصل الثاني والثلاثون
  465. الإيمان بالقدر
  466. إذا أراد القدر نفع شخص هيأ قلبه لقبول النصائح، وساق إليه موعظة على فراغ الفكر، سوق المطر إلى الرض الجرز (فَنُخرِج بِه زَرعاً مُختَلِفاً أَلوانُهُ) فإذا أعرض القدر عن شخص، ألقاه في بحر من الغفلة لجي، فكلما فتح عينيه رأى ظلمات بعضها فوق بعض. نجائب السلامة مهيأة للمراد، وأقدار المطرود موثقة بقيود الغفلة، كم يتمنى المردود أن يصل، وهيهات " يأبى القدر " كم محرم محروم صد من قبل.
  467. يَقِرُّ بِعَيني أَن أرى رَملَةَ الحِمى ... إِذا ما بَدَت يَوماً لِعَيني قِلالُها
  468. وَلَستُ وَإِن أَحبَبتُ مِن يَسكنُ الغَضا ... بِأَولَ راجٍ حاجَةٍ لا يَنالُها
  469. المخلوق هدف، والمقادير سهام، والرامي من تعلم، فما الحيلة؟؟ صوارم القدر إذا هزت تقلقلت رقاب المقربين، إذا غضب على قوم فلم تنفعهم الحسنات، ورضي عن قوم فلم تضرهم السيئات، هبت عواصف الأقدار.
  470. فخب بحر التكليف، وتقلبت بيداء الوجود بساكني الأكوان، فانقلعت أطناب الأنساب، ووقعت خيم المتكبرين، فانقلب قصر " قيصرط وتبدد شمل " أبي طالب " ووهي عمل " أبي جهل " وانكسر جيش كسرى " وانبت حبل صاحب " تبت " فلما طلع الفجر، وركد البحر، إذا " أبو طالب " غريق في لجة اليم، و " سلمان " على ساحل السلام، و " الوليد بن المغيرة " يقدم قومه في التيه. و " صهيب " قد قدم من قافلة الروم، وأبوجهل في رقدة المخلفة، و " بلال " ينادي: الصلاة خير من النوم.
  471. الفصل الثالث والثلاثون
  472. عقوبة الحرص على الدنياالدنيا نهر طالوت، والفضائل قد نادت (فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَليسَ مِني) فإذا قامت القافلة مقام ابن أم مكتوم " وقع لها (إلا مَن اِغتَرَفَ غُرفَةً) فأما أهل الغفلة فارتووا، فلما قام حرب الهوى البطنة، فنادوا بألسنة العجز (لا طاقَةَ لَنا اليَومَ بجالوت) وأقبل مصفر الجسد، فحاز قصب السبق بالظفر.
  473. الدنيا ظل، إن أعرضت عن ظلك لحقك، وإن طلبته تقاصر، اخدمي من خدمني، واستخدمي من خدمك.
  474. الزاهد لا يلتفت إلى الظل، فيتبعه الظل، والحريص كلما التفت لم يره.
  475. أيها الحريص على الدنيا: إلى كم تهيم في بيداء التحير؟؟ (كَالَّذي اِستَهوَتهُ الشَياطين) ألحرصك حد؟ أم لأملك منتهى؟ ويحك: إن البحر لا ينزف، فاقنع بالري. ويحك: سير التواني لا ينقطع، هيهات أن يستغني من لا يكفيه ما بكفه، ويحك: إن المفروح به هو المحزون عليه لو فطنت.
  476. الدنيا خمر، كلما شرب منها الحريص زاد عطشه، ادرع من ثوب القناعة ما يشمل ك الأطراف، فالقناعة تدفع بالراحةن في صدور الهم، وتهدي الراحة إلى تعب القلب.
  477. وَكُلُ الشَّر في الشَّرِه وكم من شارب شرق قبل الري، وإنما اللذة خناق من عسل.
  478. وقع نحل على نيلوفر فأعجبه ريحه، فأقام على ورقه المنتشر، فلما جاء الليل تقبض الورق، وغاص في الماء، فهلك النحل.
  479. حرصك غيم وعقلك شمس، والغيم يحجب القلب عن مشاهدة الآخرة، فابعث شمال العزم يمزق شملة شملة.
  480. عندك ما يكفيك، وأنت تطلب ما يطغيك، وشرب الماء على الري يورث الاستسقاء، ما أمنعك من الدنيا!! ولكن الحمة قرين العسل. ليس للحريص عيش، وأي عيش لمن يصبح وما شبع؟؟ ويمسي وما قنع؟ وتراه أحير من " بقة " في حقة خلف ما لا يساوي جناح " بعوضةط.
  481. إنما المراد من الدنيا ما يصلح البدن ليسعى فيما خلق له، فالاشتغال بالتزيد عائد بالنقص في المقصود، إن جامع الأموال لغير البلاغ خازن للورثة، فهو يحرق نفسه بنار الحرص، وينتفع بربح جمعه غيره، كانتفاع الناس بعرف العود المحترق.
  482. كم قتلت الدنيا قبلك، كما أهلك حبها مثلك؟
  483. كَم بالمُحَصَّبِ مِن عَلَيلِ هوىً طَريحٍ لا يُعَلَّل
  484. وَكَم قَتيلِ بَينَ خَيفَ مِنى وجَمعٍ لَيسَ يُعقلُ
  485. يا كنعان الأمل يا " نمورد " الحيل، يا " ثعلبة " البخل، يا " نعمان " الزلل، أنت في جمع الأموال شبه " حاطب " وفي تبذير العمر رفيق " حاتم " تمشي في الأمل على طريق " أشعب " فكيف بك إذا ندمت ندامة " الكسعي " .
  486. وَكَم طالِبٍ أَمراً وَفيهِ حِمامُهُ ... وَسائِرَةٍ تَسعى إِلى ما يَضُرُها
  487. ألقيت نفسك في جب حب الدنيا، فمتى يخلصك وارد الزهد، تسمع نغمات الفرح: يا بشرى.
  488. الفصل الرابع والثلاثون
  489. في قيام الليل
  490. ياجامدا على طبع وضعه، يحرك إلى قلب طبعه، انظر لماذا خلقت، وما المراد منك، رض مهر النفس يتأتى ركوبه، أمت زئبق الطبع يمكن استعماله، تلمح فجر الأجر ظلام التكليف، أرق خمر الهوى فما يفلتك صاحب الشرطة.
  491. بحر طيعك أجاج، وماء قلبك عذب، والعقل بينهما قائم مقام الخضر، فيا " موسى " الطلبك لا تبرح عن السلوك حتى تبلغ مجمع البحرين. قف على قدم الصبر، وإن طال الوقوف، تجلس سعلى مقلوب كرسي؟.
  492. يا نائما طول الليل: سارت الرفقة، طلعت شمس الشيب وما انتهت الرقدة، لو قمت وقت السحر رأيت طريق العباد قد غص بالزحام، ولو وردت ماء مدين وجدت عليه أمة من الناس يسقون.
  493. واسحرة ليل القوم ما أضوأها، قاموا على أقدام التحير بين ركن الحذر، وشارع الشوق، يسترهم ذيل الليل تحت مخيم الظلام، وإن ناحوا فأشجى من متيم، وإن ندبوا فأفصح من " خنسا " " .
  494. سَقَوا بِمياهِ أَعيُنِهِم ... هُناكَ الضالُ وَالرندا
  495. بِأنفاسٍ كَبَرقِ في ... أَنينٍ يُشبِهُ الرعدا
  496. لاحت لهم الجادة فلما سلكوا (قالوا رَبُنا الله ثُمّ اِستَقاموا) هيهات منك غبار ذلك الموكب.
  497. أملهم أقصر من فتر، ومنازلهم أقفر من قبر، نومهم أعز من الوفاء، أخبراهم أرق من النسيم، السهر عندهم أحلى من إغفاءة الفجر، كلما افتتحوا سورة وجدوا بها وجد " يعقوب " بمقيص " يوسف " .
  498. احضر وقت السحر مع القوم حين تفريق الخلع، فإن لم تصلح أسهمت من نصيب (وَإِذا حَضَرَ القِسمَةَ أُولوا القُربى).
  499. لو صعدت من صدرك صعداء أنفاس الأسف لأثارت سحابا يقطر من قطرية قطر العفو، لو أرسلت عبرة من جفن على جفاء عادت فأعادت نحس الزلل جفاء.
  500. أبواب الملوك لا تطرق بالأيدي، ولا تضرب بالحجر بل بنفس المحتاجز وعذري إقراري بأن ليس لي عذر.
  501. إذا سارت ركائب الأسحار فابعث معهم رسالة لهف تحتوي على عسرة محصر.
  502. يا سائقَ العَيسِ تَرَفَق وَاستَمِع ... مِني وَبَلِغ إِن وَصلتَ عَني
  503. عَرِّض بِذكرى عِندَهُم عَساهُمُ ... إِن سَمَعوكَ سائِلوكَ عَني
  504. قُل: ذَلِكَ المَحبوسُ عَن قَصدِكُمُ ... مُعَذِبُ القَلبِ بِكُلِ فَنِّ
  505. يقول: أَمّلتُ بِأَن أَزورَكُمُ ... في جُملَةِ الوَفدِ فَخابَ ظَني.
  506. الفصل الخامس والثلاثون
  507. في علو الهمةيا طالبا للبقاء في غير معدنه، يا مقدر النجاة في عقبة التلف، بادر عمرا كل يوم يهدمه المعمار، أليس آخر البقاء الفناء؟ كفى بالانتهاء قصرا.
  508. ويحك، اخرج بالزهد من هذا الفناء المحشو بالفناء إلى حضرة القدس، وإعراض النفس، فهناك لا يتعذر مطلوب، ولا يفقد محبوب.
  509. يا هذا: أعرف أدلتك بالطريق قلبك، وأجهل الكل بالسبيل نفسك، فسر على وفاق القلب لا على مراد النفس.
  510. هَوى ناقَتي خَلفي وَقُدامي الهَوى ... وَإِنّي وَإِياها لَمُختَلِفان
  511. يا ذا الهمة: اركب مطايا الجد وإن طال السرى. علامة التوفيق فصم عرى التواني، وآية الخذلان مسامرة الأماني.
  512. الهوى يحرض على العاجل، فلو لاحت من فارس عزيمة إقدام نكص الشيطان على عقبيه. يا محب الدنيا: قيمتك محبوبك، لو علت همتك لارتفعت عن الدنيا، يا مدعي مقام الخليل: مالك والخلة.
  513. لاح لك من الهوى أقل شيء فآثرته علينا، لقد كان دينار عملك مستورا لولا محك (وَلَنَبلوَنَكُم)
  514. وَفي حالَةِ السَخطِ لا في الرِضا ... يُبَينُ المُحِبُ مِنَ المُبغَض
  515. قلبك غائب في طلب الدنيا، فقد ضاع الحديث معك، إن الهدف إذا انهدم بطل النشاب، قلعت سكر الهوى فردمت به باب القلب، فلم يصل إليه سيل المواعظ.
  516. لَيسَ يَحيكُ المُلامُ في هِمِمٍٍ ... أَقرَبُها مِنكَ عَنكَ أَبعَدُها
  517. خرجت عن عمران التقوى، فوقعت في فقر الزلل.
  518. غَرَكَ سَرابُ الطَمَعُ فَمُتُ سَريعَ الظَما ... اِنقَرَضَ العُمُر في مَحاقِ العذر
  519. وَمِنَ العَناءِ رِياضَةُ الهَرِمِ كم قد عزمت على طاعة وتوبة؟ ما لليلى الهوى ما تبصر توبة؟ تبيت من الغرام في شعار " أويس " فإذا أصبحت أخذت طريق " قيس " تنقض عرى العزائم عروة عروة، وكل صريع بالهوى رفيق " عروة " كما دفنت كثيرا من الأعزة، وهل يرجع " كثير " عن حب " عزة " .
  520. جُنونَكَ مَجنونٌ وَلَستُ بِواجِدٍ ... طَبِيباً يُداوي مِن جُنونٍ جُنوني
  521. الفصل السادس والثلاثون
  522. الحذر من النفاقأصدق في باطنك ترى ما تحب في ظاهرك، رش سهم عملك بريش إخلاصك في مقصدك تصب هدف الأمل. واعجبا!! قوسك مكسورة بالزلل، ووترك مقطوع بالكسل، فكيف تناول صدر الغرض؟ إذا أردت العلو فارتق درج التقوى، وإن شئت العز فضع جبهة التواضع، وإن آثرت الرياسة فارفع قواعد الإخلاص، فوالله ما تحصل المناصب بالمنى.
  523. فَدينارُ المُبَهَرَجِ وَإِن نَفَقَ مَردودُ ... وَقَد يَتزَيا بِالهوى غَيرُ أَهلِهِ
  524. إذا نزلت عن مطية الإخلاص، مشيت في حسك التعثر، فتقطعت قدم القصد،ن ولم ينقطع المنزل، الرياء أصل النفاق، نفاق المنافقين صير المسجد مزبلة، فقال المنزه (لا تَقُم فيهِ) وإخلاص المخلصين رفع قدر الوسخ (رب أشعث أغبر).
  525. إذا هبت زعازع المنافقة لم تضر شجرة الإخلاص، لأن أصلها ثابت، فأما شجرة الرياء فعند نسيم (وَقِدمِنا إِلى ما عَمِلوا مِن عَمل) اجتثت من فوق الأرض.
  526. لا تنظر إلى جولة الباطل، وارتقب دولة الحق، إذا رأيت منافقا قد تبع فتذكر " الدجال " غدا، و " السامري " بالأمس، وانتظر للسامري (لا مَساس) وَللأَلد باب لد.
  527. شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنة، وشجرة الدباء تصعد في أسبوعين، فتدرك الصنوبر فتقول " شجرة الدباء: إن الطريق التي قطعت في ثلاثين سنة قد قطعتها في أسبوعين، فيقال لك شجرة ولي شجرة!! فتجيبها: مهلا إلى أن تهب ريحب الخريف.
  528. وكم من متشبه بالصالحين في تخشعه ولباسه، وأفواه القلوب تنفر من طعم مذاقه (وَهُم يَحسَبون أَنهُم يُحسِنونَ صُنعاً).
  529. في ظلمة الليل يتشبه الشجر بالرجال، فإذا طلع الفجر بان الفرق. في وقت الضحى يتمثل السراب بالماء، فمن قرب منه لم يجده شيئا. واأسفا: ما أكثر الزور.
  530. أَما الخِيامُ فَإِنّها كَخيامِهِم ... وَأَرى نِساءَ الحَيِّ غَيرَ نِسائِهِ
  531. تراهم كالنخل، وما تدري ما الدخل.
  532. أيها المرائي: قلب من ترائيه بيد من تعصيه؟؟ لا تنقش على الدرهم الزائف اسم الملك، فما كل سوداء تمرة، ولا يتبهرج الشحم بالورم.
  533. ؟الفصل ؟السابع والثلاثون
  534. مجلس التوبةمجلس الذكر مأتم الأحزان، هذا يبكي لذنوبه، وهذا يندب لعيوبه، وهذا على فوت مطلوبه، وهذا الإعراض محبوبه.
  535. يَتَشاكى الواجِدونَ جَوىَّ ... واحِِداً وَالوَجدُ أَلوانُ
  536. أتدرونن هذا التائب لم أنّ؟ وهذا الحزن كيف حنَّ؟ن ذكر عهدا كان قد صفا ثم تكدر، فأنزعج لحال حال وتغير.
  537. مَنازِلٌ كُنتُ تَهواها وَتَألَفَها ... أًيامَ أَنتَ عَلى الأيامِ مَنصورُ
  538. من سمع نوح الحمام ظن أنه لحسن صوته غنى بل لما ذكر من ماضي العيش.
  539. وَإِذا الغَريبُ صَبا إِلى أَوطانِهِ ... شَوقاً فَمعناهُ إِلى أَحبابِهِ
  540. إنما يبكي المذنب على ديار قد عمرها بالتقوى، كيف أخربتها الذنوب؟
  541. إِذا ذَكرَتَ نَجداً وَطيبَ تُرابُهُ ... وَبَردَ حَصاهُ آَخِرَ اللَيلِ حَنّت
  542. تَمَنَت أَحاليبَ الرَّعاءِ وَخيمَة ... بِنَجدٍ وَلَم يَحصُل لَها ما تَمَنّت
  543. يا من كان له معاملة فترك، يامن خلط الدستور وضرب على الحساب، زمان الوصال يستحق البكاء، أطلال الحبيب تستوجب القلق.
  544. ماءُ النُقَيبِ وَلَو مِقدارَ مَضمَضَةٍ ... شِفاءُ قًلبي وَغَيرُ الماءِ يَشفيني
  545. الوقت يقتضيك يا عاص، فبادر بالتوبة، منادي الوصال على باب القبول يصيح (وَسارِعوا).
  546. الغَيمُ رَطبٌ يُنادي ... يا نائِمين الصَّبُوحُ
  547. فَقُلتُ أَهلاً وَسَهلاً ... ما دامَ في الجِسم روحُ
  548. يا من كان له قلب: أين قلبك؟ يا زمان الخيف: هل من عودة إن كنت فقدت قلبك فلا تيأس من وجوده.
  549. فَقَد يَجمَعَ اللَهُ الشَتَيتينِ بَعدَما ... يَظَّنانِ كُلَّ الظَنّ أن لا تَلاقِيا
  550. سر بِوادي الطَلَبِ، مُستَغيثاً بِلِسانِ الطَربِ
  551. رُدوا عَلى لَيالي التَي سَلَفَت ... لَم أَنسَهُنَّ وَما بِالعَهدِ مِن قِدَمِ
  552. ودع طبعك لسفر التوبة، وارفق شرعك في طريق الصحبة، واجهد راحلتيك لتلحق الرفقة، وتهيأ للإحرام قبل الوقفة، وانفذ الوية الشوق إلى منى قبل نخلة، لعل رسالة الحب تصل من صاحب الكعبة.
  553. ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي ويأتي الجواب: وإني إلى لقائهم أشوق.
  554. الفصل الثامن والثلاثون
  555. في صدق العبادةلا تعجبوا بصورة التعبد، وتلمحوا أحسن المقصد؟ ليس كل مصل متعبد، ولا كل صائم بزاهد، ولا كل باك بخاشع، ولا كل متصوف بصاف.
  556. وَما كُلُ مَن آَوى إِلى العِزِّ نالَهُ ... وَدَونَ العُلى ضَربٌ يُدَمِّي النَواصِيا
  557. لَيسَ كُلُ مُستَدَيرٍ يَكونُ هِلالاً، لا، لا ... لَيسَ التَكَحُلُ في العَينينِ كالكَحلِ
  558. كم حول معروف من دفينِ ذهب اسمه كما بلي رسمه ومعروف معروف.
  559. وَما كُلُ دارٍ قَفَرَةٍ دارةُ الحُمى ... وَلا كُلُّ بَيضاءَ التَرائِبِ زَينَبُ
  560. ذهب أهل التحقيق، وبقيت بنيات الطريق، واعجبا!! لقد رجل القوم، وتخلف أهل السنة والنوم، خلت البقاع من الأحباب، وتبدلت العمارة بالخراب.
  561. يا دِيارَ الأَحبابِ عِندَكِ خُبرٌ ... أَين ساروا وَهَل لَهُم مُستَقَرُ
  562. كان المشايخ في قديم الزمان أصحاب قدم، والمريدون أرباب ألم، فذهب القدم والألم، كان المريد يسأل عن غصة، والشيخ يعرف القصة، واليوم لا قصة ولا غصة، كان الصوفية قديما يسخرون بالشيطان، والآن يسخر الشيطان بالقوم. كان الزهد في بواطن القلوب، فصار في ظواهر الثياب.
  563. سَلامٌ عَلى تِلكَ الخَلائِق إِنّها ... مُسلَّمَةٌ مِن كُلِ عَيبٍ ومأَثَمِ
  564. ويحك: صوف قلبك لا جسمك، وأصلح نيتك لا مرقعتك، إذا كان العلوي ثابت النسب لم يحتج إلى ضفيرتين، أَتحدوا ومالك بعير؟ أتمد قوسا ومالها وتر؟ تتجشأ من غير شبع؟ واعجبا!! من وحمى بلا حبل. إن لم تكن " يعقوب " الأمل، فلا تكن " زليخا " الهوى. واأسفا لقلوب أذابها حب الدنيا، ولأسماع آمالها " حديث خرافة، يتلاعب بها الغرور في بحر الهوى تلاعب الموج بالفريق.
  565. صح بالمنقطعين في بوادي الغفلة؛ ترى أي ذنب اقتطعهم. أين تعبد " السري " ؟ أين جد " الجنيد " ؟ أين مجاهدة " أبي يزيد " ؟ أين جوع " الشبليط؟ يا راضيا بصفة " ابن أدهم " أين عزم " إبراهيم " ؟.
  566. أما الخيام فإنها كخيامهم.
  567. انكسر مغزل " رابعة " وبقي قطن " الحلاج " .
  568. لم تبق إلا روايات وأخبار
  569. أَيُها الحادي بأحداج الجَمالِ ... لا تَنُخ بِالرَبعِ إِنَّ الرَبعَ خالي
  570. ما عَسى أن تَرتَجي مَن دِمَنٍ ... أَقَفرتَ مِن أَهلِها فَهي خَوالي
  571. قَد عَفَت أَطلالُها وَاندَرستَّ ... قِف بِنا نَبكي لأَطلالٍ بِوَالي
  572. لَهفَ نَفسي لِليالٍ سَلَفَت ... آَهٍ هَل تَرجَعُ لي تِلكَ اللَيالي
  573. لا تَقُل لي: بِمِنَى تُعَطَ المُنى ... بِمِنىَّ كانَ مِِنَ القَومِ اِنفِصالي
  574. الفصل التاسع والثلاثون
  575. القناعةأيها المبتلي بحب الدنيا وما ينال منها إلا ما قدر له، كم مرزوق لا يتعب؟ وكم تعب من لا يرزق؟ هذا " موسى يقول (أَرِني) وما أري و " محمد " يزعج من منامه وما طلب.
  576. قَضاها لِغَيري وَاِبتِلاني بِحُبِها ... فَهَلاَّ بِشيءٍ غَيرِ لَيلَى اِبتَلانِيا
  577. يا هَذا: مَحَبَةُ الدُنيا مِحنَةٌ ... داءُ بِه ماتَ المُحِبونَ مِن قَبلي
  578. إِن أَقبلَت شَغَلَت وإن أدبرت قتلت
  579. وَيلاهُ إِن نَظَرَت وَإِن هِيَ أَعرَضَت ... وَقعُ السِهامِ وَنَزعُهُنَّ أَليمُ
  580. ويحك: إن الفقر أصلح لك، وإن فقد الدنيا أرفق بك، غير أن الهوى لا ينظر العواقب، كم في طي مكروهك مصلحة، لو زالت غشاوة العين أبصرتها.
  581. فسبحان من قضى على الكامل بمداراة الطبع الجاهل، ناظر العقل إلى الأخير ناظر، والطمع لا يرى إلا الحاضر، وكم يتعب الشيخ في تقويم الطفل؟؟ إنك لم فسحت لنفسك في هواها، ضيقت عليك طريق الخلاص، إنها لتبذر بضاعة العمر بكف التمزيق، كالخرقاء وجدت صوفا.
  582. يا مستغيثا من الفقر بألسنة الشكوى، حبس الفقر حصن، على أنه داء الكرام. الفقر جب، والفاقة غيابة، والشهوات رق. " الدنيا سجن المؤمن " .
  583. فيا " يوسف " الطلب: ذق مرارة الجب، وكمد الغيابة، وصابر رق البيع، ودار السجن، لعلك تخرج إلى مملكة (اِجعَلني عَلى خَزائِنِ الأرض) دافع ليل البلى، فما أسرع فجر الأجر (أَلَيسَ عَلى خَزائِن الأَربض) الفقر من الدنيا عدم كله وجود، والغنى فيها وجود كله عدم.
  584. عرضت على نبينا " صلى الله عليه وسلم " بطحاء مكة ذهبا فأبى.
  585. يا " محمد " ممن تعلمت القناعة؟ قال لسان حاله: من عجلة أبي.
  586. كان الرجل من الصحابة يدعى إلى المال حلالا فيقول: لا، لا.
  587. يا معاشر الفقراء: زينوا حلة الفقر بحلية الكتمان، فالفقراء الصبر جلساء الله، اصبروا على عطش الفاقة، فالحرة تجوع ولا تأكل بثدينها، إن سألتم فاسألوا مولاكم، فإن سؤال العبد غير سيده تشنيع على السيد.
  588. يا معاشر الغافلين والواقفين مع الأسباب، إنما المعطي والمانع واحد (فَلا تَجعَلوا للِهِ أَنداداً) إذا عرضت حاجة فتعرضوا بالمحراب، واكتفوا من السؤال بالخدمة أتشتغلون بنا وننساكم؟ كلا " من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " .
  589. وَإِذا طَلَبتَ إِلى كَريمٍ حاجَةً ... فَلِقاؤهُ يُغنيكَ وَالتَسليمُ
  590. ويحك: إن الفقير الصادق يترك الدنيا أنفة، رآها مقاطعة فقاطع، جاز على جيفة مستحيلة فسد منخر الظرف وأسرع، سلك سبيل القناعة فوقع على كنز ما وجده " الإسكندر " فقلبه أغنى من " قارون " وبيته أفرغ من فؤاد أم " موسى " .
  591. وَمَن كانَ في ثوبِ القَناعَةِ رافِِلاً ... أَصابَ الغِنى في الفَقرِ وَالخَصَبِ في المَحل
  592. إذا حشر الفقراء يوم القيامة بادورا باب الجنة فتقول لهم الملائكة: قفوا فهذا يوم الحساب، فينفضون أكمام الإدلال من يد المعوق، ويقولون: هل أعطيتمونا شيئا تحاسبونا عليه؟؟
  593. الصَبرُ مِثلُ اِسمِهِ في كُلِ نائِبَةٍ ... لَكِن عَواقِبُهُ أَحلى مِنَ العَسلِ
  594. ؟الفصل الأربعون ؟ذم الحرص على المال يا مشغولا بالعمل للدنيا، والدنيا تعمل فيه، تجمع ما يفرقك، وتوصل ما يمزقك، ويحك: أتبني قصرا وتهدم مصرا؟ إن لم تعرف عيوبها " فاخبر تقهل " .
  595. داء الآدمي الهوى، وعلاجه الحسم، متى استعجل الداء، فالكي أنفع، وما يفيدك من جار السوء التوقي. المال ماء كلما زاد غرق. قنعت العنكبوت بزاوية البيت فسبق الحريص إليها وهو الذباب، فصار قوتا لها، وصوت بك نذير العبر: رب ساع لقاعد.
  596. ويحك: طلق كواذب آمالك، لتكون وارث مالك. أعظم المغبونين حسرة من نفع كده لغيره. أفضل أعمال البخيل الصدقة لأنه يحارب شيطانين أصغرهما إبليس، وأعظمهما النفس وجنودها، ومن يقوى بأسد الحرص، وكلب الهوى، وخنزير الشره؟؟!.
  597. امدد يديك بالصدقة فإن لم تطق فاكففهما عن الظلم، أطلق لسانك بالذكر، فإن لم تطق فاحبسه عن الغيبة.
  598. كم يقف السائل سائل الدمع على باب الذل لديك فتقول: هذا هذاء.
  599. كلام الجائع عند الشبعان كله هذيان. ويحك: إن الدقة صداق الجنة، فدع جمع الأكياس (مَن ذا الَّذي يُقرِضُ اللهَ قَرضاً حَسناً).
  600. انظر في أخلاقِ الفَقيرِ لا في إِخلاقِهِ ... وَما ضَرُ نَصلُ السَيفِ إِخلاقُ غَمدِهِ
  601. إن أعطيت فاحذر منا يتأذى به المعروف. ويحك: كلما عاش أملك مات الفقراء.
  602. كَأَنَنَي كُلَما أَصبَحتُ أُعتِبُهُ ... أَخطُّ حَرفاً عَلى صَفحٍ مِنَ الماءِ
  603. واعجبا! لمن يجمع الأموال جمع الثريا نفسها، كيف تأتي الأقدار فتفرقه تفريق بنات نعش، يا كدر القلب: آثار كدر باطنك ما تخفى على ناظرك، إن أسرار القلوب تبين ما في وجوده الوجنات.
  604. لو سمعت كلامي بقلبك كان طول الأسبوع نصب عينيك، وإنما تسمعه بأذنك، وفرق بين السامعين: كثر المال على " الصديق " و " ثعلبة " ووقه التفاوت بين " البخل والتخلل " .
  605. وليس كُلُّ ذَواتِ المِخلَبِ السَّبُعُ أما حب الدنيا عندك فراسخ، وأما قلبك من الموعظة فعلى فراسخ، وإذا غلب الهوى فمن ينتبه؟ وإذا غاب القلب فمن يحدث؟
  606. إذا كانَ قَلبي مَوثِقاً بِحِبالُكُم ... وَجِسمي لَدَيكُم كَيفَ أَفهَمُ عَنكُم؟
  607. فإِن شِئتُم أَن تَعذُلوا فَتُوصِّلوا ... إِلى أن تُعيدوا القلب ثم تُكلِموا
  608. الفصل الحادي والأربعون
  609. إحياء القلوب بالعبرات
  610. يا جامد العين اليوم، غدا تدنو الشمس إلى الرؤوس، فتنفتح أفواه مسام العروق، فتبكي كل شعرة بعينس.
  611. كأنك بالسماء قد نفضت أكمامها لسرعة فورانها، وانتثرت النجوم، و " يوسف " الهيبة قد برز، فقد قميص الكون.
  612. نفحة فم الريح تحرك الشجر، ونفحة من في الصور تعمل في الصور، نفحة من الصور أماتت، والأخرى أعاشت، لا تعجبوا فإن نفحة نفخة الشتاء في صور البرد أماتت صور الأشجار، ونفس الربيع اعاد الروح.
  613. ريح الدنيا بين مثير ولاقح، وريح الصور تثير الأبدان، وتلقح أشباح الأرواح لقراءة دفاتر الأعمال.
  614. كان " الفضيل " ميتا بالجهل، و " ابن أدهم " مقتولا بالهوى، و " السبتي " هالكا بالمال، و " الشبلي " من جند " الجنيد " فنفخ في صور التوفيق، فانشقت عنهم قبور الغفلة، فصاح " إسرافيل " الاعتبار (كَذِلِكَ يُحيي اللَهُ المَوتى).
  615. إنما سمع " الفضيل " آية فذلت بها نفسه واستكانت، وهي كانت، إنما زجر " ابن أدهم " بموعظة واحدة، هاتف عاتبه، ولائم لامه، أخرجه من " بلخ " إلى الشام.
  616. كانت عقدة قلوبهم أنشوطة، ومشد قلبك كله عقد، أقبلت المواعظ إلى ندى قلب رياض القلوب، فالتقى الماءان. كانت الأعمال تعرض عليهم فيرون الخيانة نقض عهد الزهد.
  617. حَلَفتُ بِدينِ الحُبِ لا خُنتُ عَهدَكُم ... وَتِلكَ يَمينٌ لَو عَرَفَت غَموسُ
  618. كان " الفضيل بن عياض " قد تعود البكاء، فكان يبكي في نومه حتى ينتبه أهل داره.
  619. وكان " ابن أدهم " من شدة خوفه يبول الدم، وكذلك " سري " .
  620. إذا خرجت القلوب بالتوبة من حصر الهوى إلى بيداء التفكر جرت خيول الدموع في حلبات الوجد، كالمرسلات عرفا.
  621. إذا استقام زرع الفكر قامت العبرات تسقي ونهضت الزفرات تحصد، ودارت رحى التحير تطحن، واضطرمت نيران القلق فحصلت للقلوب ملة تتقوتها في سفر الحب.
  622. اسمحوا بحرمة الوفاء، فما كل وقت يطلع " سهيل " طالما أمتم قلوبكم بالهوى، فأحيوها اليوم بوابل العبرات، إذا خرجتم عن المجلس فلا تذهبوا إلى البيوت، واطلبوا هذه المساجد خراب، وضعوا وجوهكم على التراب، " واستغيثوا بألسنة الفاقة من قلوب قد أحرقها الأسف على ضياع العمر في الهوى والبطالة " فإنه إذا صعد نفس " يعقوب " الحزن لم ينتبه دون جمال " يوسف " .
  623. وَإِن شِفائي عِبرةً مُهَراقَةٌ ... فَهَل عِندَ رَسمٍ دراسٍ مِن مُعَوَّلِ
  624. الفصل الثاني والأربعون
  625. الشيب علامة النهايةيامن مطية عمره قد أنضاها الحرص، هلا كففتها قليلا بزمام القناعة؟ فرب جد أعطب، ورب أكلة تمنع أكلات، وكثرة الماء شرق أو عزق؟ أخل بنفسك في بيت العزلة، واستعن عليها بعدول اللوم، ونادها بلسان التوبيخ، إلى كم؟ وحتى ومتى؟ ألم يأن؟ ويحك!! سرق لص الشيب رأس مال الشباب.
  626. فَأَصبَحتُ مُفلِسَ العُمرِ ... فَهَل ليَ اليَومَ إلا زَفرَةَ النَدَمِ
  627. يا نفس: ذهب عرش " بلقيس، وبلى جمال " شيرين " وتمزق فرش " بوران " وبقي نسك " رابعة " .
  628. كانت أيام الشباب كفصل الربيع، وساعاته كأيام التشريق، والعيش فيه كيوم العيد، فأقبل الشيب يعد بالفناء، ويوعد بصفر الإناء، فأرخى مشدود أطناب العمر، ونقض مشيد سرائر القوى.
  629. أديل ضعف الشيب على الشباب فعمل معول الوهن وراء الجلد في الجلد، فصار مربع الحياة قفرا قد خلت بطاحه، ومربع اللهو هباء تذروه الرياح، وإن الهالك من ضل في آخر سفره وقد قارب المنزل، أبقي بعد الشيب منزل غير البلى؟ بلى أنت تدري أين تنزل.
  630. مرحلة الشيب تحط على شفير القبر، وقد اتخذت من رأي الهوى حصنا، فما هذا الأمل؟.
  631. اتطلب ربيع وأنت في ذي القعدة؟! اللذة سلاف ولكن مزاجها زعاف، الهوى عارف في العاجلة، ونار في الآجلة، ومن تبصر تصبر.
  632. أيظن الخائض في الدنيا أن له فراغا عنها؟؟ هيهات، ما يفرغ منها إلا من اطرحها.
  633. فَما قَضى أَحَدٌ مِنها لُبانَتَهُ ... وَلا اِنتَهى أَرَبٌ إِلا إِلى أَرَبِ
  634. أيتوهم المسوف بالتوبة أن لمرحلة الهوى آخر؟ كلا؛ إن الذي يقطعه عن الإنابة اليوم معه في غد، وما يزيده مرور الأيام إلا رسوخا بدليل: " يشيب ابن آدم " وتشيب معه خصلتان.
  635. يَطلُبُ المَرءُ أَن يَنالَ رِضاهُ ... وَرِضاهُ في حاجَةٍ لا تُنال
  636. وإنما وجد الراحة في الدنيا من خلالها لا من خاللها، لاح لهم عيبها، فما ضيعوا الزمان في السوم، بلغتهم خطوات الرياضة إلى الرياض فاستوطنوا فردوس الأنس في قلة طور الطلب.
  637. يا مؤثرا على بساتين القوم مقابر النوم: ليس في طريق الوصال تعب، إنما التعب ما دام في النفس بقية من الهوى، الظلمة ليل لا لليلى.
  638. يا لَيلُ ما جِئتُكُم زائِراً ... إِلا وَجدَتُ الأَرضُ تُطوى لي
  639. وَلا انثَني قَصدي عَن بابِكُم ... إِلا تَعَثَرتُ بِأَذيالي
  640. المنحرف ضال عن الجادة، طر بجناح الخوف والرجاء من وكر الكسل على خط مستقيم الجد لا تعدل فيه عن العدل، فإذا أنت في مقعد صدق.
  641. ؟الفصل الثالث والأربعون صفات العابدين وقت العارف جد كله، لعلمه بشرف الزمان، والنهار مطالب بحق الملك، والليل يقتضي دين الحب، فلا وجه للراحة.
  642. لما عاينت أبصار البصائر " يوسف " العواقب، قطعت أيدي الهوى بسكين الشوق، فولوج الجمل في سم الخياط، أسهل من دخول اللوم في تلك الأسماع، فإذا حان حين الحين فرح سائر الليل بقطع المنزل، وصاحت ألسنة الجد بالعاذلين (فَذَلِكُنّ الَّذي لُمتُنَني فيه).
  643. قُلوبٌ أَبَت أَن تَعرِفَ الصَبرَ عَنهُمأَثمانُ المَعالي غالِيَةً فَكيفَ يَستامها مفلس
  644. وَكَيف يُنالُ المَجدُ وَالجِسمُ وادِعُ ... وَكَيفَ يُحازُ الحَمدُ وَالوَفرُ وافِرُ
  645. كلما تعاظمت الهمم تصاغرت الجثث.
  646. وَلَستَ تَرى الأَجسامَ وَهي ضَيئلَةٌ ... نواحِلُ إِلا وَالنُفوسُ كِبارُ
  647. قال " يحيى بن معاذ " : لتكن الخلوة بيتك، والمناجاة حديثك، فإما أن تموت بدائك، أو تصل إلى دوائك.
  648. لا تَزل بي عَنِ العَقيقِ فَفَيهِ ... وَطَري إِن قَضيتُهُ أو نَحبي
  649. لا رَعيتُ السُّوامَ إِن قُلتُ لِلصُحبَةِ خِفّي عَني وَلَلعينُ هُبّي
  650. دخلوا على " أبي بكر النهشلي " وهو في السوق يركع ويسجد، ودخلوا على " الجنيد " وهو في النزع وهو يصلي، فسلموا عليه، فرد السلام وقال: هذا وقت يؤخذ منه: الله أكبر.
  651. إذا اِشتَغَلَ اللاهونَ عَنكَ بِشُغلِهِم ... جَعلتُ اِشتِغالي فيكَ يا مُنتهى شُغُلي
  652. فَمَن لي بِأَن أَلقاكَ في كُلِ ساعَةٍ ... وَمَن لي بِاَن أَلقاكَ وَالكُلُ بي مِن لي
  653. دارت قلوبهم من الخوف دوران الكرة تحت الصولجان، فلعبت بها أكف الأشجان في فلوات المحبة، فمن بين سكران يبث، وبين منبسط يقول، وبين خائف يستجير.
  654. إذا لَعِبَ الرِجالُ بِكُلِ فَنٍّ ... رَأَيتَ الحُبَّ يَلعَبُ بالرِجالِ
  655. نجائب أبدانهم أنضاها سير الرياضة، تجوهرت أرواحهم في بوتقة الجسم، فترافقا في سفر الشوق، فاللسان مشغول بالذكر، والسر مغلوب بالوجد، والعين عبرى بالخوف، والنفس هاربة إلى دار الزهد.
  656. إِنَما أَهرُبُ مِما ... حَلَّ بي مِنكَ إِليكَ
  657. أَنتَ لَو تَطلُب رَوحي قُلتُ هاخُذها إٍليك
  658. كان الحسن كأنه حديث عهد بمصيبة، وكان " مالك بن دينار " قد سوّد طريق الدمع في خده.
  659. وَمَن لُبُّهُ مَعَ غَيرِهِ كَيفَ حالُهُ ... وَمَن سَرَّهُ في جَفنِهِ كَيفَ يُكتَمُ؟
  660. كان " عطاء السّلمي " يبكي في غرفته حتى تجري دموعه في الميزاب إلى الطريق، فقطرت دموعه يوما فصاح رجل: يا أهل الدار: ماؤكم طاهر؟ فقال " عطاء " : اغسله فإنه دمع من عصى الله تعالى.
  661. كان " داود " عليه السلام يؤتى بالإناء ناقصا فلا يشربه حتى يتمه بدموعه.
  662. يا ساقي القَومِ إِن دارَت إِليَّ فَلا ... تَمزِج فَإِني بِدَمعي مازِجٌ كاسي
  663. الفصل الرابع والأربعون
  664. الغراب والعنكبوتيا مستفتحا أبواب المعاش بغير مفتاح التقوى، كيف توسع طريق الخطايا وتشكو ضيق الرزق؟ لو اتقيت ما عسر عليك مطلوب، مفتاح التقوى يقع على كل باب، ما دام المتقي على صفاء التقى لا يلقى إذن أذى، فإذا انحرف عن التقى التقى بالكدر.
  665. فلما توليتم عنا تولينا لا تزال بحار النعم على الخلق في الزيادة (حَتى يُغيروا ما بأَنفُسِهِم).
  666. ويحك: إنما خلقت الدنيا لك، أفيبخل عليك بما هو ملكك؟ إنما في طبعك شره، والحمية أرفق.
  667. يا أعز المخلوقات علينا: ارض بتدبيرنا، فالمحب لا يتهم، وإنعامنا على ما خلق لك لا يخفى عليك، فكيف ننساك وأنت الأصل؟.
  668. ليس العجب تغذي المولود في حال الحمل بدم الحيض لاتصاله بالحي؛ إنما العجب أن البيضة إذا انفصلت من الدجاجة فمن البياض يخلق الفرخ، وبالمح يتغذى، قد أعطي المخلوق زاده قبل سفر الوجود.
  669. إذا اِنفقأت بيضة الغراب خرج الفرخ أبيض، فتنفر عنه الأم لمباينته لونها، فيبقى مفنةح الفم، والقدر يسوق إلى فيه الذباب، فلا يزال يتغذى به حتى يسود لونه فتعود إليه الأم.
  670. فانظروا إلى نائب اللطف، وتلمحوا شفقة طير الرحمة، ألهم النملة ادخار القوت، ثم ألهمها كسر الحب قبل ادخاره كيلا ينبت، والكسبرة، وإن كسرت قطعتين تنبت فهي تكسرها أربعا.
  671. وَفي كُلِ شَيءٍ لَهُ آَيَةٌ ... تَدُلُ عَلى أَنّهُ واحِدُ
  672. لو رأيت العنكبوت حين تبني بيتها لشاهدت صنعة تعجز المهندس، إنما تطلب موضعين متقاربين، بينهما فرجة يمكنها مد الخيط إليها، ثم تلقي لعابها على الجانبين، فإذا أحكمت المعاقد ورتبت القمط كالسداة اشتغلت باللحمة، فيظن الظان أن نسجها عبث، كلا، إنها شبكة للبق والذباب، وإنها إذا أتمت النسيج انزوت إلى زاوية ترصد رصد الصائد، فإذا وقع في الشبكة شيء قامت تجني ثمار كسبها، فإذا أعجزها الصيد طلبت لنفسها زاوية، ووصلت بين طرفيها بخيط آخر، وتنكست في الهواء تنتظر ذبابة تمر بها، فإذا دنت منها رمت نفسها إليها فأخذتها، واستعانت على قتلها بلف الخيط على رجليها!! افتراها علمت هذه الصنعة بنفسها؟ أو قرأتها على أبناء جنسها؟ أفلا تنظر إلى حكمة من علمها؟ وصنعة من فهمها؟.
  673. لقد نادت عجائب المخلوقات على نفسها ترشد الغافلين إلى باب الصانع، غير أنهم عن السمع لمعزولون.
  674. الفصل الخامس والأربعون
  675. أسفار الحياةخلقنا نتقلب في " ستة " أسفار إلى أن يتسقر بالقوم المنزل: السفر الأول: سفر السلالة من الطين، السفر الثاني: سفر النطفة من الظهر إلى البطن، السفر الثالث: من البطن إلى الدنيا، الرابع: من الدنيا إلى القبور، الخامس: من القبور إلى العرض، السادس: من العرض إلى منزل الإقامة.
  676. فقد قطعنا نصف السفر، وما بعد أصعب.
  677. إخواني: السنون مراحل، والشهور فراسخ، والأيام أميال، والأنفاس خطوات، والطاعات رؤوس أموال، والمعاصي قطاع الطريق، والربح الجنة، والخسران النار، ولهذا الخطب شمر الصالحون عن سوق الجد في سوق المعاملة، وودعوا بالكلية ملاذ النفس.
  678. كلما رأوا مركب الحياة يتخطف في بحر العمر، شغلهم ما هم فيه عن عجائب البحر، فما كان إلا قليل حتى قدموا من السفر، فاعتنقتهم الراحة في طريق التلقي، فدخلوا بلد الوصل، وقد حازوا ربح الدهر.
  679. يا جبان العزم: لو فتحت عين البصيرة فرأيت بإنسان الفكر ما نالوا، لصاح لسان التلهف: يا ليتني كنت معهم، وأين الأرض من صهوة السماء؟؟.
  680. ألا أنت والله منهم ولا تدري من هم.
  681. يا قَلبُ مِن نَجدٍ وَساكنِهِ ... خَلّفتَ نَجداً وَراءَ المُدلَجِ الساري
  682. أَهفوا إِلى الرَملِ تَعلو لي رَكائِبُهُم ... مِنَ الحُمى في أُسَيحاقٍ وَأَطماري
  683. تَفوحُ أَرواحُ نَجدٍ مِن ثِيابِهِمُ ... عِندَ القُدومِ لِقُربِ العَهدِ بِالدارِ
  684. يارَاكِبان قِفالي فاقضِيا وَطَري ... وَخَبِّراني عَن نَجدٍ بِأَخبارِ
  685. هَل رُوَّضَتَ قاعَةَ الوَعساءِ أَو مُطِرت ... خَميلةَ الطَلحِ ذاتُ البانِ وَالغارِ
  686. أَم هَل أَبيتَ وَداري عِندَ كاظِمَة ... داري وَسُمَّارُ ذاكَ الحَي سَماري
  687. فَلَم يَزالا إِلى أَن نَمَّ بي نَفَسي ... وَحَدَّثَ الرَكبُ عَني دَمعي الجاري
  688. ويحك: في صناديق هذه الأيام أودعت بضائع القوم، في هذه المزرعة المحلاة بذروا حبَّ الحب، فإذا حصدوا نادي بك هاتف اللوم: في الصيف ضيعت اللبن.
  689. كُشفت عن عيونهم حجب الفعلة، فنظروا بلا معاينة، وخاطبوا بلا مشافهة.
  690. تراه بالشوق عيني وهو محجوب أنضوا رواحل الأبدان في سفر المحبة، حتى بلغوا منى المنى قبل فوات الوقفة (تِلكَ أُمَةٌ قَد خَلَت).
  691. بانوا وَخُلِّفتُ أَبكي في ديارِهِمُ ... قُل لِلديارِ سَقاكَ الرائِحُ الغادي
  692. وَقُل لأظعانِهِم حُييتِ مِن ظُعُنٍ ... وَقُل لِواديهُمُ حُيِيتَ مِن وادي
  693. دخل رجل ناحل الجسم على " عمر بن عبد العزيز " فقال له: مالك هكذا؟ فقال: ذقت حلاوة الدنيا فرأيتها مرارة، فأسهرت ليلى، وأظمأت نهاري، وذلك قليل في جنب ثواب الله وعقابه.
  694. أَميرُ الهَوى مِن هَوا ... كَ في شُغلٍ شاغِلِ
  695. تَسَربَلَ ثَوبُ الضَنا ... عَلى بُدنٍ ناحِلِ
  696. ذابت قلوبهم بنيران الخوف، فأحرقت موطن الهوى، واضفرت الألوان لقوة الحذر فتنكست رؤوس الخجل، فإذا أردت أن تعرف أحوالهم فاسمع حديث النفس بين النفس.
  697. خُذي حَديثَكَ في نَفسي مِنَ النَفَسِ ... وَجدُ المَشوقِ المعنّى غَيرُ مُلتَبِسِ
  698. الماءُ في ناظري وَالنارُ في كبدي ... إِن شِئتَ فاغتَرِفي أَو شِئتَ فاقتَبِسي
  699. الفصل السادس والأربعون
  700. العجز والتوانيلما وقع الأولياء في ظلمات الدنيا قطعوا بالجهاد مفاوز الهوى، أضاءت لهم سبل السلامة فتعارف القوم في طريق الصحبة، إن أضاء لهم برق الرجاء مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم ليل الخوف قاموا، فالقوم لا يخرجون من حيز الحيرة، لو رأيتموهم لقلتم مجانين.
  701. إِذا كُنتَ خَلواً فاعذُر في الهَوى ... فَما المُبتَلى وَالمُستَريحُ سَواءُ
  702. أَلا إِنّ قَلبَ الصَبِّ في يَدِ غَيرِهِ ... يُصَرِّفُهُ وَسنَى وَالفُؤادُ هَباءُ
  703. كَربُ المُحِب بالنهار يشتد بمزاحمة رقباء المخاطبة، فبلبل باله في قفص كتمان حاله، فإذا هبت نسائم الأسحار وجدت روحه روحا يصل من قصر مصر المنى، إلى أرض كنعان الأمل، فقام ركب الشوق يتحسس النسيم من فرج الفرج، وله وله.
  704. تُزاوِرنَ عَ، أَذرُعاتٍ يَميناً ... نواشِزُ لَسنَ يَطِنَ البُرينا
  705. كُلِفنَ بِنَجدٍ كَأَنّ الرِياضَ ... أَخَذنَ لِنَجدٍ عَلَيها يَمينا
  706. إِذا جئتُما بانَةَ الواديين ... فأرخُوا النُّسوعَ وَحُلُّوا الوَضينا
  707. فَثَمَّ عَلائِقُ مِن أَجلِها ... مِلءُ الدُجى وَالضُحى قَد طَوينا
  708. وَقَد أَنبَأتهُم مِياهَ الجُفونِ ... بِأَنّ بِقَلبِكَ داءً دَفينا
  709. إخواني: نهار الحزين كالليل، وليل المطرود كالنهار، يا أعمى عن طريق القوم، أنا مشغول بإصلاح عينك، فإذا استوت أرشدتك الطريق، هذا أمر لا ينكشف للقلوب المظلمة برين الهوى، حتى يجلوها صيقل المجاهدة، أرض مشحونة بشوك الذنوب فلو قد أسلمتها إلى الزارع رأيتها قد تغيرت (يَوم تُبَدَلُ الأَرضُ غَيرَ الأَرض).
  710. ويحك: بين العجز والتواني نتجت الفاقة.
  711. كان القوم إذا سمعوا موعظة غرست نخل العزائم، ونبات قلبك عند المواعظ نبات الكشوثي.
  712. واعجبا!! لمن أصف القوم؟ أراني أتلو سورة " يوسف " على " روبيل " كم بين ثالثة الأثافي وسادسة الأصابع. يا مطرودا ما يشعر بالطرد، إنما يجد وقع السياط من له حس، تالله لو أقلقك الهجر ما سكنت دار الراحة، أنت والكسل كندماني " جذيمة " وليت صوت هذا الهاتف وصل إلى سمع القلب.
  713. يا له من عتاب لو كان للمعتاب فهم، لقد نفخت لو كان فحم، واأسفا مرعىً ولا أكولة، سور تقواك كثير الثلم، والأعداء قد أحاطوا بالبلد، صحح نقد عملك، فقد انقرضت أيام أسبوعك، جود قبل الحساب انتقادك، فلا مسامح قبل الوزن، ويك قبل الومن، ويك قبل الرمي، تراش السهام، وعند النطاح يغلب الأجم، ويحك: قد دنا رحيلك، وليس في مزود عملك ثمرات تطفىء نار جوعك، ولا في مزادتك قطرات تسكن وقد هجيرك، فالجد الجد في الإستظهار لطول الطريق، عش ولا تغتر.
  714. يا منقطعا في بادية الهوى عن الرفقاء، إلحق الركب فالأمير يراعي الساقة، سر من غير توقف ولو تقطعت أقدام الطلب، فإذا أدركتك قافلة التعب - أيها المنقطع في ظل حائط منقطع - فصوت باستغاثة متحير.
  715. يا راهب الدير هل مرت بك الإبل يا أسف من لا ينفعه إن تأسف، لعبت بوقته أيدي التواني فضاع، فصمت عرى عمره كف المشيب ففات.
  716. يَعِزُّ عَليَّ فِراقي لَكُم ... وَإِن كانَ سَهلاً عَلَيكُم يَسيراً
  717. يا قوام الليل اشفعوا في راقد، يا أحياء القلوب ترحموا على ميت، سا سفراء الطلب احملوا رسالة محصر.
  718. خذوا نظرة مني فلاقوا بها الحمى
  719. أَيا رفقة من أرض بصرى تحملت ... تؤم الحمى لقيت من رفقة رشدا
  720. إذا ما بلغتم سالمين فبلغوا ... تحية من قد ظن أن لا يرى نجدا
  721. الفصل السابع والأربعون
  722. في ذم إبليسإخواني: العناية غنى الأبد، لما سبق الإختيار في القدم للطين المنهبط صعد على النار المرتفعة، فعلمت جهنم أن المخلوقات منها، لما قاوم التراب كانت الغلبة للتراب، وكفاها ما جرى عبرة، والسعيد من وعظ بغيره، فإذا مر المؤمن عليها أسلمت من غير جدال، وقالت: " جز فقد أطفأ نورك لهبي " .
  723. مصابيح القلوب الطاهرة في أصل الفطرة منيرة قبل الشرائع، كقلب " قس " (يَكادُ زَيتُها يُضيءُ وَلَو لَم تَمسَسهُ نار) لاح مصباح الهوى من سجف دار الخيزران، فإذا " عمر " على الباب.
  724. ولما عميت بصيرة إبليس صار نهار الهدى عنده ليلا، كان في عين بصيرته سبل، فما نفعه اتضاح السبل، رجع الخفاش إلى عشه فقال لأهله: أوكروا، فقد جن الليل، فقالوا: الآن طلعت الشمس، وأنت تقول: جن الليل، فقال: ارحموا من طلوع الشمس عنده ليل.
  725. لما أضاءت أنوار النبوة رأتها عين " بلال الحبشي " وعميت عنها عين " أبي طالب " القرشي. إخواني: احذروا نبال القدرة، وهيهات لا ينفع الحذر، فإن صلح شيء من باب الكسب فاللحاء أعوذ بك منك، أين القلق " والقلوب بين أصبعين " .
  726. إن القضاة إذا ما خوصموا غلبوا كان إبليس كالبلدة العامرة بالعبادة، فوقعت فيها صاعقة الشتاء، فهلك أهلها (فَتِلكَ بُيوتُهُم خاوِيةٌ بِما كَسبوا).
  727. وَمَن لَم يَكُن لِلوِصالِ أَهلُ ... فَكُلُّ إِحسانِهِ ذنوبُ
  728. أخذ كساء ترهبه، فجعل جلال كلب أهل الكهف، فأخذ المسكين في عداوة الآدمي فكم بالغ واجتهد، وأبى الله إلا أن لا يقع في البئر إلا من حفر.
  729. ويحك: ما ذنب الآدمي وأنت جنيت على نفسك؟ ولكنه غيظ الأسير على القد، إنما هلك إبليس بكبر (أَنا خَيرٌ مِنهُ) وسلم " آدم " بذل (ظَلَمنا أَنفُسَنا) ومقام العبودية لا يحتمل إلا الذل.
  730. كُلَما رَاعَنَي بِعِزِّ المَوالي ... جِئتُهُ خاضِعاً بَذلِّ العَبيدِ
  731. المسكين إبليس ظن أنه قد حاز بامتناعه عن السجود عزا، فوقع في ذل (وَأَنّ عَلَيهِ لَعنَتي) فكأنه فر من المطر إلى الميزاب، كانت خلعة العبادة لا تليق به فنزعت عنه.
  732. إلا رُبَّ جِيدٍ لا يَليقُ بِهِ العِقُدُ
  733. كان أعجمي الفهم فما لاقت به حلية التعبد، وكان " آدم " عربيا فما حسنت عليه قلنسوة الخلاف، أخرجهما قسر القدر لبيان ملك التصرف، ثم رد كل إلى معدنه.
  734. إن الأُصولَ عَلَيها تَنبُتُ الشَجرُ
  735. لقي إبليس " عمر بن الخطاب " فصرعه " عمر " فقال بلسان الحال: يا عمر أنا المقتول بسيف الخذلان قبلك.
  736. بيَ الناسُ أَدواءُ الهِيامِ شَرِبتُهُ ... فَإِياكَ عَني لا يَكُنُ بِكَ ما بِيا
  737. يا عمر: أنت الذي كنت في زمن الخطاب لا تعرف طريق الباب، وأنا الذي كنت في سدة السيادة، وأتباعي الملائكة، فوصل منشور (لا يُسأَل) فعزلني وولاك، فكن على حذر من تغير الحال، فإن الحسام الصقيل الذي قتلت به في يد القاتل، فلما لعبت أيدي القلق " بعمر " بادر طريق باب البريد بالعزل والولاية: يا حذيفة يا حذيفة.
  738. ؟
  739. الفصل الثامن والأربعون؟
  740. في العزلةالمؤمن على طهارة التوحيد من يوم (أَلَستُ بِرَبِكُم) غير أنه لما خالط أوساخ الهوى تدنست ثياب معاملته، وليس لها تنظف إلا بماء العلم في بيت العزلة.
  741. العزلة رأس الحمية من الدنيا، تخيط عين بازي الهوى فيألف الفطام على الطيران، والعزلة صحراء خالية عن بقاع يا سرعة إبصار الهلاك فيها لذي بصر، قل غرس خلوة إلا وعليها ثمرة الأنس.
  742. أيها المبتدىء: عليك بالعزلة، فإنها أصل العمل، تضم شتات قلبك، وتحفظ ما لفقت من خصال يقظتك، فإن حالك كمرقعة بالية، إن تحركت فيها تمزقت. إذا جرى القدر باجتماع العقل واليقين في بيت الفكر أخذ في توبيخ الأمارة، فإن كان زمن المرض قد انقضى، أثر اللوم ثوران العزيمة إلى قطع القواطع، فحينئذ تكتب النفس بكف الهجر طلاق الهوى، وتتجلبب زرمانقة الزهد، وتترهبن في دير العزوف، فتستوحش من أهل الدنيا شغلا بصحبة " أنا جليس من ذكرني " .
  743. يا من قد ضاع " يوسف " قلبه، جز بخيم القوم لعلك تجد ريح " يوسف " قف في السحر على أقدام الذل وقل (يا أَيُها العَزيزُ مَسَنا وَأَهلَنا الضُرُّ) يا مخذول التواني، يا مجدوع الأماني، غرق مركب عمرك في بحر الكسل، ويحك: من لازم المنام لم ير إلا الأحلام متى تفتح عين عزمك؟ فيا طوول هذا الكرى، أما تستنشق ريح السحر؟ أما تجد برد هواء الفجر؟ أما تعاين ضوء الشيب؟ أما يؤلمك عتاب الدهر؟.
  744. تَنَبَهي يا عَذباتَ الرَندِ ... كَم ذا الكَرى هَبَّ نَسيمُ نَجدِ
  745. أُعَلِلُ القَلبَ بِبانِ رامَة ... وَما يَنوبُ غُصنٌ عَنِ قَدِّ
  746. وَاقتَضى النَوحُ حَماماتِِ اللَوى ... هَيهاتَ ما عِندَ اللَوى عِندي
  747. رحل ركب المحبة على أكوار العزائم، فصبحوا منزل الوصل وأنت نائم بعد يا " عمر " العزم: إلى كم في دار الخيزران، يا " فضيل " المحبة متى تكسر سيف الفضول؟ يا " ابن أدهم " الجد: دخلت شهور الحج فما قعودك " ببلخ " .
  748. هَل لَكَ بِالنازِلينَ أَرضَ مِنىً ... يا عِلمُ الشَوقِ بَعدَنا عِلمُ
  749. ؟
  750. الفصل التاسع والأربعون
  751. الذين سبقت لهم منا الحسنىإذا وقت عزيمة الإنابة في قلب من سبقت لهم الحسنى قلعت قواعد الهوى من مشتاة الأمل، ركب " إبراهيم " يوما للصيد، وقد نصب له فخ (يَهديهِم رَبُهُم) حوله حب (يُحِبُهُم) فصيد قبل أن يصيد.
  752. عبر ترجمان الهوى عن لغة " سَبَقَت لَهُم) فقال: ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت، رماه الطبيب وقت انقضاء المرض، فسقاه دواء مفردا، فنفض به قولنج الهوى، رماه بسهم مواعظ ألقته عن قربوسه وبؤسه، لاحت له نار الهدى، فصاح في جنود الهوى: (إني آَنَستُ ناراً) فتجلى له انيس تجدني فاستحضره، فغاب عن وجوده، فلما أفاق من صعقة وجده، وقد دك طور نفسه، صاح لسان الإنابة بعبارة الإصابة (تُبتُ إِليكَ) فلما خرج عن ديار الغفلة أومأت اليقظة إلى الهوى:
  753. سَلامٌ عَلى اللَذاتِ وَاللَهوِ وَالصِبا ... سَلامَ وَداعٍ لا سَلامُ قُدومِ
  754. يا " ابن أدهم " : لو عدت إلى قصرك، فتعبدت فيه، قال العزم: كلا، ليس للمبتوتة نفقة ولا سكنى.
  755. أَحَنُّ إِلى الرَملِ اليَماني صِبابَةٌ ... وَهَذا لَعَمري لَو رَضيتُ كَثيبِ
  756. وَلَو أَنَّ ما بي بالحَصى فَلَقُ الحَصى ... وَبالرِيحِ لَم يُسمَع لَهُنّ هُبوبُ
  757. هام في بيداء وجده، فاستراح من عذول أمرضته التخم، فاستلذ طعم طعام الجوع، وحمل جلده على ضعف جلده خشونة بالصوف.
  758. ظَفِرتُم بِكِتمانِ اللِسانِ فَمَن لَكُم ... بِكِتمانِ عَينٍ دَمعُها يَذرِفُ
  759. حَمَلتُم جِبالَ الحُبِّ فَوقي وَإِنَني ... لأَعجَزُ عَن حَملِ القَميصِ وَأَضعُفُ
  760. لاح له جمال الآخرة من خلال سجف (لَنَهدِيَنّهُم) فتمكن الحب من حبة القلب، فقام يسعى في جمع المهر من كسب الفقر.
  761. طال عليه انتظار اللقاء، فصار ناطور البساتين.
  762. تقاضته المحبة بباقي دينها، فسلم الروح في الغربة، هذا ثمن الجنة، فتأخر يا مفلس.
  763. الفصل الخمسون
  764. الحزم مطية النجاحإخواني: في الأعداء كثرة، فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، قاتلوا بسلاح العزائم (حَتى لا تَكونَ فِتنَة) فمتى حمل عليهم فارس حد (غُلِبوا هُنالِكَ وَانقَلَبوا صاغِرين) إخواني: من تلمح حلاوة العواقب نسي مرارة الصبر.
  765. الغاية أول في التقدير، آخر في الوجود، مبدأ في نظر العقل، منتهى في منازل الوصول.
  766. إخواني: عليكم بطلب الجنة، فإن النار وسط الكف، شهوات الدنيا مصائد تقطع عن الوصول، فإذا بطلت الشهوات بحلول الموت أحس الهالك بما لم يكن يدري، كما أن خوف المبارز يشغله عن ألم الجراح، فإذا عاد إلى المأمن زاد الألم، فإذا ماتوا انتبهوا.
  767. كما شَيّعتُم قَريباً، وَرَميتُموهُ سَليباً، وتركتموه وأسمعكم من الوعظ عجيبا (ثُمَّ قَسَت قُلوبُكُم مِن بَعدِ ذَلِك).
  768. تالله إن الزاد لطيف، وإن المزاد لخفيف، مع أن الأمر جد، والخطب إد، إن الحازم لا يترك الحذر حتى يصل المأمن.
  769. لما اِعترض إبليس " لأحمد " قال: فتني، قال: لا بعد.
  770. لا فرح بوصول الكوفة وما عبرت العقبة، الطمع مركب التلف، والحزم مطية النجع، والتواني أبو الفاقة، والبطالة أم الخسران، وما يحصل برد العيس إلا بحر التعب.
  771. ما العز إلا تحت ثوب الكد
  772. إخواني: ذهب والله في التفريط العمر، غفل الوصي فضيع مال الطفل، مصيبتنا في التفريط واحدة.
  773. أَجارَتُنا إِنا غَريبان ها هُنا ... وَكُلُ غَريبٍ للِغَريبِ نَسيبُ
  774. رحل ركب المحبة في ظلام الدجى، فصبح القوم المنزل ، ونحن على غير الطريق. واأسفا من قلة الأسف، واحزناه على عدم الحزن، قفوا على آثار السالكين فاندبوا المنقطع.
  775. لَيسَت بِأَطلالي وَلِكِنَها ... رُسومُ أحبابي فَنُوحوا مَعِيَ
  776. يا ساكِناً بِالبَلدِ البَلقَعِ ... وَيا دِيارَ الظاعِنينَ اِسمَعي
  777. يا ديار الأحباب: أين سكانك؟ يا مرابع الأحباب: أين قطانك؟
  778. ها إِنّها مَنازِلٌ تَعَوَّدَت ... مِني إِذا شارَفتُها التَسليما
  779. يا نَفحَةَ الشِمالِ مَن تِلقائِها ... رُدَّي عَلي ذاك النَسيما
  780. يا متخلفا ما جاء مع المعتذرين: رحل الركب في زمان رقادك، فإذا قمت من الكرى فأقم مأتم الندب، قف على الرسوم وابك على انقطاعك، لعلك تؤنس رفيق " تجدني " .
  781. إذا جُزتَ بِالغَورِ عَرَّجَ يَميناً ... فَقَد أَخَذَ الشَوقُ مِنّا يَمينا
  782. وَسلِّم عَلى بانَةِ الواديين ... فَإِن سَمِعَت أَوشَكتَ أَن تَبينا
  783. فَصَح في مَغانِيهِم أَينَ هُم ... وَهَيهاتَ أَمَّوا طَريقاً شُطونا
  784. وَرَوِّ ثُرى أَرضِهِم بِالدُموعِ ... وَخَلِّ الضُلوعَ عَلى ما طَوينا
  785. أَراكَ يَشوقُكَ وادي الأَراكِ ... ألِلدارِ تَبكي أَم لِلساكِنينا
  786. سَقى اللَهُ مُرَبَعَنا بِالحُمى ... وَإِن كانَ أَورثَ داءً دَفينا
  787. الفصل الحادي والخمسون
  788. عاقبة التفريطإذا قمتم من المجلس فادخلوا دار الخلوة ساعة، وشاوروا نصيح الفكر، وحاسبوا شريك الخيانة، وتلمموا تفريط الكسل في بضاعة العمر، تأسفوا على كل ذنب كان، أو حظ من الله فات.
  789. البدار البدار نحو البقية، فيلقى المفرط ما ضاع، وليحذر الأعور الحجر، لا تحتقر يسير الخير، فالذود إلى الذود إبل، ضلت قلوبكم في بوادي الهوى، فقوموا على أقدام الطلب، وألقوا أزمة السير إلى حادي الأسف و (تَحسَسوا مِن يُوسُفَ وَأَخيهِ).
  790. جد في نشدان ضالتك ولا تيأس من روح الله، فكم شفي من أشفى على الهلاك.
  791. عَرِّجوا بِالرِفاقِ نَحوَ الرَكبِ ... وَقَفوا وَقفَةً لأنشُدَ قَلَبي
  792. وَخُذوا لي مِنَ النَقيبِ لِماظاً ... أَو رُدوا بي إِلى العُذيبَ وَحَسبي
  793. فَهُبوبُ الرِياحِ مِن أَرضِ نَجدٍ ... قَوتُ قَلبي وَحَبَّذا مِن مَهَبِّ
  794. يا نَسيمَ الصِبا تَرَنَم عَلى الدَّوَحِ بِصوتٍِ يَشجي وَإِن طارَ لُبِّي
  795. مَن مُعيدٌ أَيامنا بَلوى الجَزِعِ وَهَيهاتَ أَينَ مِنّي صَحبي
  796. واعجبا!! ما انظر الأجساد، لكن فقد نظر القلوب، إذا لم يحركك الربيع وَأزهاره، والسماع وأوتاره، فمن أنت؟ ويحك: نوح الحمام غزل، لو كان في قلبك محبة فابك بكاء " الجنيد " لعلك تقع بسر " سري " بع مال الهوى فيمن يزيد، إن شئت لحقا " أبي زيد " .
  797. كم دعتك فرصة لو كنت أجبتها، إن جناب الحق لفسيح، غير أن الجهل مطرود.
  798. ويحك: قد لاحت نار الهدى من زناد المواعظ، فقم على أقدام الجد لعلك تجد على النار هدى.
  799. لأيِّ مَرمىً تَزجُرُ الأَيَانِقا ... إِن جاوَزت نَجداً فَلَستَ عاشِقا
  800. وَإِنّما كانَ بُكائي حادِيا ... رَكبَ الغَرامِ وَزفيري سائِقا
  801. واعجبا من الواقفين على مواقف: إن وفقنا!! ثم لا يتعرضون بجناب التوفيق (إِن يُريدونَ إِلاّ فِراراً).
  802. ويحك: دنت عساغكر البطالة (فَانفِروا خِفافاً وَثِقالاً) خذوا من الدنيا قدر ما يعبر القنطرة، ولعمري: إن ضرورات المعاش تغير وجه المراد، فيتعثر السالك (وَمَن يَتِقِ اللَهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجاً) هذا إن جرى القدر بمحبوب أو بمكروه (فَلا يَكُن في صَدرِكَ حَرَجٌ مِنهُ).
  803. دليل محبته لك في الأزل حراسة توحيده عندك، والتخويف سوط يسوق النفس عن ديار الكسل، وما تظنه تعذيب، ورب تقويم بالكسر، تخريق مكان الحبيب من القميص جعله قميصا، لو لم تذنبوا، صولة الوداد تحفظ أهل الأدب، وإن كان الحب في السويداء.
  804. بكت العيون وأنت طارقها
  805. وُدٌ تَقادَمَ عَهدُهُ فَصَفا ... وَجَديداً ودٍّ لَيسَ يَخلُقُهُ
  806. لما ذاق آدم وحواء من الشجرة دار في دائرة التحير، فضربهما صولجان البعد فهبطا، وضارب الكرة يسعى بنفسه في طلبها، هل من سائل؟ هل من تائب؟
  807. فَلَولا البَعدُ ما حُمِدَ التَداني ... وَلَولا البَينُ ما طابَ التَلاقي
  808. يا قائما في سوق الأرباح: ماذا حصلت؟ يا منقطعا في طريق الوصال: هلا توصلت؟ أتراك اشتغلت بنا أو عنا؟ يا منكر، يا نكير: انزلا إلى الخارج من بساتين الأرباح في دار المعاملة، فانظر أهل استصحب شوكة من الشك، أووردة من اليقين اتنكهها فمه الذي قال ((بَلى) يوم (أَلَستُ) هَل غَيرَّ طيبه طول رقا الغفلة؟ هل أنجاس زلله مما يدخل قليلها تحت العفو؟ هل ثمد ماء توحيده يبلغ قلتين؟ أنا مقيم له على الوفاء بكل حال، فانظر هل حال؟
  809. أَلا حَبَذا نَجدٌ وَطَيبُ تُرابِهِ ... وَأَرواحُهُ إِن كانَ نَجدٌ عَلى العَهدِ
  810. أَلا لَيتَ شِعري عَن عَوارِضَتي قُبا ... بِطُولِ اللَيالي هَل تَغَيرَتا بَعدي
  811. وَعَن عَلَوِيَّات الرِياحِ إِذا جَرَت ... بِريحِ الخُزامى هَل تَمُرُّ عَلى نَجدِ
  812. الفصل الثاني والخمسون
  813. التفكير في الرحيل من تفكر في قرب رحيله تشاغل بالتزود، ولبئس ما صنع بائع نفسه النفسية بالأعراض الخسيسة.
  814. إن الروح في ذاته جوهر لا يتجزأ أو لا يموت، وقدره جوهر لا قيمة له، وإنما آلات البدن خادمة له تعين على السفر له في زجاجة القلب.
  815. نار كالسراج، الحياة ضؤوها، والدم دهنها، والحركة نورها، والشهوة حرارتها، والغضب دخانها، وقد اتخذ من مقدم الدماغ حارسا، ومن وسطه وزيرا، ومن مؤخره حافظا، وجعل العقل استاذا، والحس تلميذا، وفرق الأعضاء في خدمته رجالا وركبانا، وجعل الدنيا له ميدانا يجول فيه في صف حربه لمحاربة أعدائه، فإن غلب، قهر كسرى، وإن غلب فلا أحد.
  816. لما تيقظ تيقظ الأولياء لهذا السفر، خاضوا في ظلمات الطبع يقطعونها بأقدام المجاهدة، فلاح لهم نور الغيب (كُلَما أَضاءَ لَهُم مَشَوا فيه) فإذا هم على باب الوصول، الفقر حليتهم، والليل لذتهم، والخشوع صفتهم.
  817. طال حبسهم في الدنيا، فضجوا إلى الحبيب، فلو انتهبت بالليل سمعت أصوات أهل الحبوس.
  818. يا وُقوفاً ما وَقَفنا ... في ظِلالِ السَلَماتِ
  819. نَتَشاكى ما عِناناً ... بِكَلامِ العَبَرات
  820. أطيار الأشجان في أقفاص الأسرار تصيح من وجدها في الأسحار، كلما هدلت حمائم الشجون هطلت عمائم العيون، فإذا كان حين تتوفاهم الملائكة فتح القفص عن روح تطلب الروح، فتتحير لقرعة (مَن راق) فيهتف به هاتف الوِدادَ (اِرجَعي إلى رَبِكَ) فتنسى مرارة الكأس بحلاوة الخطاب، فتهون شدائد الموت.
  821. فما لجرح إذا أرضاهم ألم يا بعيدا عنهم: أين أنت منهم؟ لا تحسبن الأمر سهلا، نيل سهيل أسهل، أتصقل سيفا ليس في سنحه جوهرية؟ أتحمل صعبا مسنا على الرياضة؟ وهل ينهض البازي بغير جناح.
  822. من لم يهتز بيسير الإشارة، لم ينفعه كثير العبارة، أترى من نبل مواعظي مقرطس؟ بلى ربما وقعت نبلة في قلب حزينن ولم يدر الرامي.
  823. سهم أصاب وراميه بذي سلم
  824. سر في السر على أقدام العزيمة، وليكن همك الظفر لا الغنيمة، فالعز لا يناله جبان، وإنّ أكتب الأقلام الأسنة.
  825. انتبه من رقاد الغفلة، فقد طلع ضوء الشيب، وأسرع في سير الجد فقد رحلت الرفقة، وصوت في أودية الأسحار لعلها ترحمك الساقة، وتلمح آثار السالكين لعلك تقع على الجادة، فإذا لحقت أعراض الركب فقف نفسك على خدمة الإبل، فربما دخلت خيمة من أحببت.
  826. فَقُلتَ دَعوني وَاتّباعي رِكابَكُم ... أَكن طَوعَ أَيديكُم كَما يَفعَل العَبدُ
  827. وَما بالُ زَعمي لا يَهونُ عَلَيهِمُ ... وَقَد عَلِموا أَنّ لَيسَ لي مِنهُم بُدُّ
  828. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين تم الكتاب بحمد الله وحسن توفيقه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
  829. .جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين 

كتاب : المعونة في الجدل المؤلف : إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي المعونة في الجدل

مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : المعونة في الجدل
المؤلف : إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي
المعونة في الجدل 
الحمد لله حق حمده وصلى الله على محمد خير خلقه وعلى اصحابه واهل بيته
لما رأيت حاجة من يتفقه ماسة الى معرفة ما يعترض به من الادلة وما يجاب به عن الاعتراضات ووجدت ما عملت من الملخص في الجدل مبسوطا صنفت هذه المقدمة لتكون معونة للمبتدئين وتذكرة للمنتهيين مجزية في الجدل كافية لاهل النظر وقدمت على ذلك بابا في بيان الادلة ليكون ما بعده من الاعتراضات والاجوبة على ترتيبه
وما توفيقي الا بالله عليه توكلت وهو حسبي ونعم الوكيل واياه أسأل أن ينفع به في الدنيا والاخرة انه قريب مجيب
باب بيان وجوه ادلة الشرع وادلة الشرع ثلاثة اصل ومعقول اصل واستصحاب حال

فالاصل ثلاثة الكتاب والسنة والاجماع واضاف اليه الشافعي

رحمه الله في القديم قول الواحد من الصحابة فجعله اربعة
فاما الكتاب فدلالته ثلاثة النص والظاهر والعموم
فالنص هو اللفظ الذي لا يحتمل الا معنى واحد كقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق وما اشبه ذلك مما لا يحتمل الا معنى واحدا
وحكمه ان يصار اليه ولا يترك الا بنص يعارضه
والظاهر كل لفظ احتمل امرين وهو في احدهما اظهر
وهو ضربان ظاهر بوضع اللغة كالامر يحتمل الايجاب ويحتمل النوب إلا انه في الايجاب اظهر وكالنهي يحتمل التحريم ويحتمل الكراهة والتنزيه الا انه في التحريم اظهر وكسائر الالفاظ المحتملة لمعنيين وهو في احدهما اظهر

وحكمه ان يحمل على اظهر المعنيين ولا يحمل على غيره الا بدليل
وظاهر بوضع الشرع كالاسماء المنقولة من اللغة الى الشرع كالصلاة في اللغة اسم للدعاء وفي الشرع اسم لهذه الافعال المعروفة والحج في اللغة اسم للقصد وفي الشرع اسم لهذه الافعال المعروفة وغير ذلك من الاسماء المنقولة من اللغة الى الشرع
وحكمه ان يحمل على ما نقل اليه في الشرع ولا يحمل على غيره الا بدليل
ومن اصحابنا من قال ليس في الاسماء شيء منقول بل الصلاة هي الدعاء والحج هو القصد وانما هذه الافعال زيادات اضيفت اليهاوليست منها كما اضيفت الطهارة الى الصلاة وليست منها فعلى هذا تحمل هذه الالفاظ على موضوعها في اللغة ولا تحمل على غيره الا بدليل
والعموم كل لفظ عم شيئين اثنين فصاعدا على وجه واحد لا مزية لاحدهما على الاخر
والفاظه اربعة اسماء الجموع كالمسلمين والمشركين والابرار والفجار

والاسم المفرد اذا عرف بالالف واللام كالرجل والمرأة والمسلم والمشرك
ومن اصحابنا من قال ليس هذا من الفاظ العموم
والاول اصح
والاسماء المبهمة ك من فيمن يعقل وما في ما لا يعقل و أي في الجميع و حيث و أين في المكان و متى في الزمان
والنفي في النكرات كقوله عليه السلام
لا يقتل مسلم بكافر وما رأيت رجلا وما اشبهه
فحكم هذه الالفاظ ان تحمل على العموم ولا يخص منه شيء الا بدليل
واما السنة فدلالتها ثلاثة قول وفعل واقرار
فالقول على ضربين مبتدأ وخارج على سبب
فالمبتدأ ينقسم الى ما ينقسم اليه الكتاب من النص والظاهر والعموم

فالنص كقوله عليه السلام في اربعين شاة شاة وما أشبهه أخرجه الترمذي في الزكاة
فحكمه ان يصار اليه ولا يترك الا بنص يعارضه
والظاهر كقوله عليه السلام حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء فيحمل أخرجه أبو داودد في كتاب الطهارة على الوجوب ولا يصرف الى الاستحباب الا بدليل
والعموم كقوله عليه السلام من بدل دينه فاقتلوه فيحمل على العموم أخرجه البخاري في كتاب الجهاد في الرجال والنساء ولا يخص الا بدليل
والخارج على سبب ضربان مستقل دون السبب كما روي انه قيل له عليه السلام انك تتوضأ من بئر بضاعة وانما يطرح فيها دم المحايض ولحوم الكلاب وما ينجي الناس فقال عليه السلام الماء طهور لا ينجسه شيء
فحكمه حكم القول والمبتدأ

ومن اصحابنا من قال يقصر على السبب الذي ورد فيه وليس بشيء أخرجه الترمذي وغيره
وضرب لا يستقل دون السبب كما روي ان اعرابيا قال له جامعت في شهر رمضان بالنهار فقال اعتق رقبة فيصير قول الرسول مع السبب كالجملة أخرجه البخاري وغيره الواحدة كأنه قال عليه السلام اذا جامعت فاعتق
واما الفعل فضربان
احدهما ما فعله على غير وجه القربة فهو كالمشي والاكل وغيرهما فيدل على الجواز
والثاني ما فعله على وجه القربة فهو على ثلاثة اضراب
احدها ان يكون امتثالا لامر فتعتبر بذلك الامر ان كان واجبا فهو واجب وان كان ندبا فهو ندب
والثاني ان يكون بيانا لمجمل فتعتبر بالمبين ان كان واجبا فهو واجب وان كان ندبا فهو ندب

والثالث ان يكون مبتدأ ففيه ثلاثة اوجه
احدهما انه يقتضي الوجوب ولا يصرف الى غيره الا بدليل
والثاني انه يقتضي الندب ولا يصرف الى غيره الا بدليل
والثالث انه على الوقف فلا يحمل على واحد منهما الا بدليل
واما الاقرار فضربان
احدهما ان يسمع قولا فيقر عليه كما روي انه سمع رجلا يقول الرجل يجد مع امرأته رجلا ان قتل قتلتموه وان تكلم جلدتموه وان سكت سكت على غيظ ام كيف يصنع أخرجه البخاري في اللعان
فحكمه حكم قوله عليه السلام وقد بيناه
والثاني ان يرى رجلا يفعل فعلا فيقره عليه كما روي انه رأى

أي الراوي قيس بن فهد يصلي ركعتي الفجر بعد الصبح أخرجه أبو داود وغيره
فحكمه حكم فعله وقد بيناه
واما الاجماع فهو اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة فذلك ضربان
احدهما ما ثبت بقول جميعهم كاجماعهم على جواز البيع والشركة والمضاربة وغير ذلك من الاحكام
فحكمه ان يصار اليه ويعمل به ولا يجوز تركه بحال
والثاني ما ثبت بقول بعضهم او فعله وسكوت الباقين مع انتشار ذلك فيهم

فذلك حجة وهل يسمى اجماعا فيه وجهان
وقال ابو علي بن ابي هريرة ان كان ذلك حكما من امام او قاض لم يكن حجة وان كان فتيا من فقيه فهو حجة
والاول اصح
واما قول الواحد من الصحابة اذا لم ينتشر ففيه قولان
قال في الجديد ليس بحجة فعلى هذا لا يحتج به ولكن يرجح به
وقال بعض اصحابنا يحتج به مع قياس ضعيف وليس بشيء
وقال في القديم هو حجة فعلى هذا يحتج به ويقدم على القياس وهل يخص به العموم فيه وجهان

واما ادلة المعقول فثلاثة فحوى الخطاب ودليل الخطاب ومعنى الخطاب
فاما فحوى الخطاب فهو ان ينص على الاعلى وينبه على الادنى او ينص على الادنى فينبه على الاعلى وذلك مثل قوله تعالى ومن أهل الكتاب من ان تأمنه بقنطار يؤده اليك ومنهم من ان تأمنه بدينار لا يؤده اليك ونهيه عن التضحية بالعوراء ونبه به على العمياء أخرجه مالك وغيره
فحكم هذا حكم النص
واما دليل الخطاب فهو ان يعلق الحكم على احد وصفي الشيء كقوله تعالى وان كن اولات حمل فانفقوا عليهن وقوله عليه السلام

في سائمة الغنم زكاة فدل على ان غير الحامل لا نفقة لها وغير السائمة لا زكاة فيها
وقال ابو العباس بن سريج لا يدل على حكم ما عدا المذكور
والمذهب الاول
فاما معنى الخطاب فهو القياس وهو حمل فرع على اصل بعلة جامعة بينهما واجراء حكم الاصل على الفرع
وهو ضربان
احدهما قياس العلة وهو ان يحمل الفرع على الاصل بالمعنى

الذي يتعلق الحكم به في الشرع وذلك مثل قياس النبيذ على الخمر بعلة انه شراب فيه شدة مطربة وقياس الارز على البر بعلة انه مطعوم جنس
والثاني قياس الدلالة وهو ثلاثة اضرب
احدها ان يستدل بخصيصة من خصائص الشيء عليه
كقولنا في سجود التلاوة انه لا يجب لانه سجود يجوز فعله على الراحلة في غير عذر فاشبه سجود النفل وان جواز فعله على الراحلة من خصائص النوافل فيستدل به على انه نفل
والثاني ان يستدل بالنظير على النظير
كقولنا في الزكاة في مال الصبي ان من وجب العشر في زرعه وجب ربع العشر في ماله كالبالغ

وكقولنا في ظهار الذمي من صح طلاقه صح ظهاره كالمسلم وان العشر نظير ربع العشر والظهار نظير الطلاق فيدل احدهما على الاخر
والثالث ان يستدل بضرب من الشبه مثل ان يقول في ايجاب الترتيب في الوضوء انه عبادة يبطلها النوم فوجب فيها الترتيب كالصلاة ففيه وجهان
من اصحابنا من قال انه دليل
ومنهم من قال ليس بدليل وانما يرجح به غيره وهو الاصح
فصل واما استصحاب الحال فضربان
استصحاب حال العقل في براءة الذمة كقولنا في اسقاط دية المسلم اذا قتل في دار الحرب او في اسقاط ما زاد على ثلث الدية في قتل اليهودي ان الاصل براءة الذمة وفراغ الساحة وطريق اشتغالها بالشرع ولم نجد في الشرع ما يدل على الاشتغال في قتل المسلم في دار الحرب ولا على الاشتغال فيما زاد على الثلث في قتل اليهود فبقي على الاصل
فهذا دليل يفزع اليه المجتهد عند عدم الادلة
والثاني استصحاب حال الاجماع وذلك مثل ان يقول في المتيمم اذا رأى الماء في صلاته انه يمضي في صلاته انعقدت بالاجماع فلا يزول عن ذلك الا بدليل
فهذا فيه وجهان
من اصحابنا من قال هو دليل
ومنهم من قال ليس بدليل وهو الاصح
باب وجوه الكلام على الاستدلال بالكتاب وذلك من ثمانية اوجه
احدهما ان يستدل منه بطريق من الاصول لا يقول به وذلك مثل ان يستدل الحنفي في اسقاط المتعة للمدخول بها بقوله تعالى لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ما لم تمسوهن او تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن فشرط في ايجاب المتعة ان لا يكون قد مسها
فيقول الشافعي هذا استدلال بدليل الخطاب وانت لا تقول به
فالجواب ان يقول ان هذا بلفظ الشرط لانه قال ان طلقتم النساء وان من امهات حروف الشرط وانا اقول بدليل الخطاب اذا كان بلفظ الشرط
او يقول ان هذا من مسائل الاصول وانا ممن يقول به
والثاني ان لا يقول به في الموضع الذي تناوله
كاستدلال الحنفي في شهادة اهل الذمة بقوله تعالى او آخران من غيركم أي من اهل ملتكم

فيقول الشافعي هذا كان في قصة بين المسلمين والكفار وعندك لا تقبل شهادة اهل الذمة على المسلمين
وتكلف بعضهم الجواب عنه فقال انه لما قبل شهادتهم على المسلمين دل على ان شهادتهم على الكفار اولى بالقبول ثم دل الدليل على ان شهادتهم لا تقبل على المسلمين فبقي في حق الكفار على ما اقتضاه
فقال الامام رحمه الله هذا ليس بشيء لانه تعلق بفحوى الخطاب وقد ذكر ان الخطاب قد ارتفع فكيف يبقى حكم فحواه
والاعتراض الثاني ان يقول بموجبها وذلك على ضربين
احدهما ان يحتج من الآية بأحد الوضعين فيقول السائل بموجبه بان يحمله على الوضع الاخر
كاستدلال الحنفي في تحريم المصاهرة بالزنا بقوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح اباؤكم والمراد لا تطؤوا ما وطىء آباؤكم

فيقول الشافعي النكاح في الشرع هو العقد فيكون معناه لا تتزوجوا من تزوج بها آباؤكم
والجواب ان تسلك طريقة من يقول ان الاسماء غير منقولة وان الخطاب بلغة العرب والنكاح في عرف اللغة هو الوطء
والضرب الثاني ان يقول بموجبه في الموضع الذي احتج به وذلك مثل ان يستدل الشافعي في العفو عن القصاص الى الدية من غير رضى الجاني بقوله فمن عفي له من اخيه شيء فاتباع بالمعروف والعفو هو الصفح والترك
فيقول الحنفي بل العفو ها هنا هو البذل ومعناه اذا بذل الجاني للولي الدية اتبع المعروف
والجواب عنه من وجهين
احدهما ان يبين ان العفو في الصفح والترك اظهر في اللغة
والثاني ان يبين بالدليل من سياق الاية او غيره على ان المراد به الصفح
والاعتراض الثالث ان يدعى اجمال الاية اما في الشرع واما في اللغة
فاما في الشرع فمثل ان يستدل الحنفي في نية صوم رمضان بقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه وهذا قد صام

فيقول الشافعي هذا مجمل لان المراد صوم شرعي ونحن لا نسلم ان هذا صوم شرعي
والجواب عنه ان يبين ان الخطاب بلغة العرب ويسلك طريقة من يقول ليس في الاسماء شيء منقول والصوم في اللغة هو الامساك فوجب ان يجزىء كل امساك الا ما خصه الدليل
واما في اللغة فهو مثل ان يستدل الشافعي في ان الاحرام بالحج لا يصح في غير اشهره بقوله تعالى الحج اشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق
فيقول المخالف هذا مجمل لان الحج ليس باشهر فلا بد في معرفة المراد منه من اضمار ويجوز ان يكون معناه وقت احرام الحج اشهر معلومات ويجوز ان يكون معناه وقت افعال الحج اشهر معلومات فوجب التوقف فيه
والجواب ان يبين بالدليل ان المراد به وقت احرام الحج لان الافعال لا تفتقر الى اشهر ولانه قال فمن فرض فيهن الحج فلا رفث والفرض هو الاحرام
والاعتراض الرابع المشاركة في الدليل
كاستدلال الشافعي في النكاح بغير ولي بقوله تعالى فلا تعضلوهن

ان ينكحن ازواجهن فلو لم يكن تزويجها اليه لما صح العضل
فيقول الحنفي هذا حجة لنا لانه قال ان ينكحن فاضاف النكاح اليهن فدل على ان لهن ان يعقدن
والجواب ان يسقط دليل السائل ليسلم له ما تعلق به
والاعتراض الخامس اختلاف القراءة
وذلك مثل ان يستدل الشافعي في ايجاب الوضوء من اللمس بقوله تعالى او لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا
فيقول المخالف قد قرىء او لامستم وهذا يقتضي الجماع
والجواب ان يقول القراءتان كالايتين فيستعملهما
والاعتراض السادس النسخ وهو من ثلاثة اوجه
احدها ان يفصل النسخ صريحا كاستدلال الشافعي في ايجاب الفدية على الحامل بقوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية

فيقول الحنفي قد قال سلمة بن الاكوع انها منسوخة بقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه
والجواب ان يبين انها نسخت الا في الحامل والمرضع
والثاني ان يدعى نسخها بآية متأخرة مثل ان يستدل الشافعي في المن والفداء بقوله تعالى فاما منا بعد واما فداء
فيقول الحنفي قد نسخ بقوله تعالى فاقتلوا المشركين لانها متأخرة
والجواب ان يجمع بين الايتين فيستعمل كل واحدة في موضع واذا امكن الجمع لم يجز دعوى النسخ
والثالث ان يدعى نسخها بأن ذلك شرع من قبلنا كاستدلال الشافعي في وجوب القصاص في الطرف بين الرجل والمرأة بقوله تعالى والجروح

قصاص أخرجه البخاري في الريات وغيره
فيقول الحنفي هذا اخبار عن شرع من قبلنا وقد نسخ ذلك بشرعنا
فالجواب ان شرع من قبلنا شرع لنا او يدل على ان ذلك شرع لنا ايضا لان النبي صلى الله عليه و سلم قال في امرأة قلعت سن امرأة كتاب الله القصاص واراد به هذه الاية
والاعتراض السابع التأويل وذلك ضربان
تأويل الظاهر كاستدلال الشافعي في ايجاب الابتاء بقوله تعالى فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم فيحمله الحنفي على الاستحباب بدليل
والثاني تخصيص العموم كاستدلال الشافعي في قتل شيوخ المشركين بقوله تعالى فاقتلوا المشركين فيخصصها الحنفي في الشيوخ بدليل

والجواب ان يتكلم على الدليل الذي تأول به او خص به ليسلم له الظاهر والعموم
والاعتراض الثامن المعارضة وهو ضربان معارضة بالنطق ومعارضة بالعلة
فالمعارضة بالنطق مثل ان يستدل الشافعي في تحريم شعر الميتة بقوله تعالى حرمت عليكم الميتة
فيعارضه الحنفي بقوله تعالى ومن اصوافها واوبارها واشعارها اثاثا ومتاعا الى حين
الجواب عنه من وجهين
احدهما ان يتكلم على المعارضة بما يعترض به
او يستدل به ابتداء ويرجح دليله على المعارضة وان كانت المعارضة بعلة تكلم عليها بما تكلم على العلل ليسلم دليله
باب الكلام على الاستدلال بالسنة وذلك من ثلاثة اوجه
احدها الرد
والثاني الكلام على الاسناد
والثالث الكلام على المتن
فاما الرد فمن وجوه
احدها رد الرافضة وذلك ردهم اخبارنا في المسح عل الخفين وايجاب غسل الرجلين قالوا هذه اخبار احاد ونحن لا نقول به
فالجواب من ثلاثة اوجه
احدها ان يقول اخبار الاحاد اصل من اصول الدين فان لم يسلموا نقلنا الكلام اليه
والثاني ان يقال ان هذا تواتر من طريق المعنى فان الجميع متفق على الدلالة على المسح على الخف وايجاب غسل الرجلين وان كان في كل

قصة منها خبر الواحد فوقع العلم بها كالاخبار عن شجاعة علي وسخاء حاتم
والثالث ان يناقضوا فيما خالفونا فيه فانهم اثبتوها باخبار الاحاد
والثاني رد اصحاب ابي حنيفة فيما يعم به البلوى كردهم خبرنا في مس الذكر قالوا ما يعم به البلوى لا يقبل فيه خبر الواحد
والجواب ان عندنا يقبل فان لم يسلموا دللنا عليه ولانهم عملوا به في المنع من بيع دور مكة وايجاب الوتر

والمشي خلف الجنازة
والثالث رد اصحاب مالك فيما خالف القياس كردهم خبرنا في طهارة جلود الميتة فانه مخالف للقياس فلا يقبل
والجواب ان خبر الواحد عندنا مقدم على القياس فان لم يسلموا دللنا عليه او تناقضوا بما قبلوا فيه خبر الواحد وقدموه على القياس
والرابع رد اصحاب ابي حنيفة فيما خالف قياس الاصول كردهم خبرنا في المصراة والقرعة

وغيرهما
فالجواب ان قياس الاصول هو القياس على ما ثبت بالاصول وقد بينا الجواب عنه ولانهم ناقضوا فعملوا بخبر الواحد في نبيذ التمر وقهقهة المصلي واكل الناسي في الصوم
والخامس رد اصحاب ابي حنيفة فيما يوجب زيادة في نص القرآن وان ذلك نسخ كخبرنا في ايجاب التغريب فقالوا هذا يوجب زيادة في نص القرآن وذلك نسخ ولا يقبل فيه خبر الواحد

والجواب ان ذلك ليس بنسخ عندنا لان النسخ هو الرفع والازالة ونحن لم نرفع ما في الاية ولانهم ناقضوا فزادوا النبيذ في اية التيمم بخبر الواحد
واما الاسناد فالكلام فييه من وجهين
احدهما المطالبة باثباته فهذا يكون في الاخبار التي لم توقف في السنن ولم تسمع الا من المخالفين كاستدلال الحنفي في صدقة البقر بأن النبي صلى الله عليه و سلم قال
في اربعين مسنة وفيما زاد فبحسابه
والجواب ان يبين اسناده أو يحيله الى كتاب معتمد
والثاني القدح في الاسناد وهو من ثلاثة اوجه
احدها ان يذكر في الراوي سببا يوجب الرد مثل ان يقول انه كذاب او مبتدع او مغفل
فالجواب ان يبين للحديث طريقا اخر
والثاني ان يذكر انه مجهول
فالجواب ان يبين للحديث طريقا اخر او يزيل جهالته برواية

الثقات عنه او ثناء اصحاب الحديث عليه
والثالث ان يذكر انه مرسل
فالجواب ان يبين انه مسند او يقول المرسل كالمسند ان كان ممن يعتقد قبول المراسيل
واضاف اصحاب ابي حنيفة الى هذا وجوها اخر
منها ان يقول السلف ردوه كما قالوا في حديث القسامة ان عمرو بن شعيب قال والله ما كان الحديث كما حدث سهل أخرجه البخاري
فالجواب انه اذا كان الراوي ثقة لم يرد حديثه بانكار غيره لان المنكر ينفي والراوي يثبت والاثبات مقدم على النفي لان مع المثبت زيادة علم
ومنها ان يقول الراوي انكر الحديث كما قالوا في قوله صلى الله عليه و سلم

ايما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل راويه الزهري وقد قال لا اعرفه
فالجواب ان انكار الراوي لا يقدح في الحديث لجواز ان يكون نسيه
ومنها ان يقول راويه لم يعمل به كما قالوا في حديث الغسل من ولوغ الكلب سبعا ان راويه ابو هريرة وقد افتى بثلاث مرات كما أخرجه الطحاوي

فالجواب ان الراوي يجوز ان يكون قد نسي في حال الفتيا او أخطأ في تأويله فلا يترك سنة ثابتة بتركه
ومنها ان يقول هذه الزيادة لم تنقل نقل الاصل كما قالوا في قوله عليه السلام فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بنضح او غرب نصف العشر اذا بلغ خمسة اوسق
فقالوا هذا الحديث رواه جماعة فلم يذكروا الا وسقا فدل على انه لا اصل لها
والجواب انه يجوز ان يكون قد ذكر هذه الزيادة في وقت لم يحضر الجماعة او كان هو اقرب اليه سمع الزيادة ولم يسمعوا فلم يجز رد خبر الثقة
واما المتن فهو ثلاثة قول وفعل واقرار
فاما القول فضربان مبتدأ وخارج على السبب

فالمبتدأ كالكتاب يتوجه عليه ما يتوجه على الكتاب وقد بيناه الا اني أعيد القول في السنة لانه اوضح امثلة وربما اتفق فيه زيادة لم تذكر في الكتاب
والاعتراض على المتن من ثمانية اوجه
احدها ان يستدل بما لا يقول به وذلك من ثلاثة اوجه
فمنها ان يستدل بحديث وهو ممن لا يقبل مثل ذلك الحديث كاستدلالهم بخبر الواحد فيما يعم به البلوة او فيما يخالفه القياس وما اشبه ذلك مما لا يقل فيه بخبر الواحد
والجواب ان يقول ان كنت انا لا اقول به الا انك تقول به وهو حجة عندك فلزمك العمل به
والثاني ان يستدل فيه بطريق لا يقول به مثل ان يستدل بدليل الخطاب وهو لا يقول به كاستدلاله في ابطال خيار المجلس بما روي ان النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن بيع الطعام حتى يقبض فدل على انه أخرجه البخاري في صحيحه ومسلم غيرهم

اذا قبض جاز بيعه وان كان في المجلس
فيقال له هذا استدلال بدليل الخطاب وانت لا تقول به
والجواب ان يقول هذه طريقة لبعض اصحابنا وانا ممن اقول به او ان يقول ان هذا بلفظ الغاية وانا اقول به فيما علق الحكم فيه على الغاية
والثالث ان لا يقول به في الموضع الذي ورد فيه كاستدلالهم على ان الحر يقتل بالعبد بقوله صلى الله عليه و سلم من قتل عبده قتلناه أخرجه سعيد بن منصور في سننه وأخرجه الإمام أحمد في المسند وغيرهم
فيقال ما تناوله الخبر لا نقول به فإنه لا خلاف انه لا يقتل بعبده
وقد تكلف بعضهم الجواب عنه بأنه لما وجب القتل على الحر بقتل عبده دل على انه يقتل بعبد غيره اولا ثم دل الدليل على انه لا يقتل بعبده فبقي قتله بعبد غيره على ما اقتضاه
والاعتراض الثاني ان يقول بموجبه وذلك على وجهين
احدهما ان يحتج المستدل باحد الوضعين فيقول السائل بموجبه

بالحمل على الوضع الآخر مثل ان يستدل الشافعي في نكاح المحرم بقوله صلى الله عليه و سلم لا ينكح المحرم ولا ينكح اخرجه الإمام مالك في الموطأ وغيره
فيقول الحنفي النكاح في اللغة هو الوطء فكأنه قال لا يطأ المحرم
والجواب من وجهين
احدهما ان يقول النكاح في عرف الشرع هو العقد وفي عرف اللغة هو وطء واللفظ اذا كان له عرفان عرف في اللغة وعرف في الشرع حمل على عرف الشرع ولا يحمل على عرف اللغة الا بدليل
والثاني ان يبين بالدليل من سياق الخبر او غيره ان المراد به العقد
والضرب الثاني ان يقول بموجبه في الموضع الذي احتج به كاستدلال أصحابنا في خيار المجلس بقوله عليه السلام المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا أخرجه البخاري في كتاب البيوع ومسلم في كتاب البيوع وغيرهم
فيقول المخالف المتبايعان هما المتشاغلان بالبيع قبل الفراغ وهما بالخيار عندي

والجواب من وجهين
احدهما ان يبين ان اللفظ في اللغة حقيقة فيما ادعاه
والثاني ان يبين بالدليل من سياق الخبر او غيره ان المراد به ما قاله
والاعتراض الثالث ان يدعي الاجمال اما في الشرع او في اللغة
فاما في الشرع فهو مثل ان يحتج الحنفي في جواز الصلاة بغير اعتدال بقوله صلوا خمسكم وهذا قد صلي أخرجه أحمد في المسند
فيقول الشافعي هذا مجمل لان المراد بالصلاة هو الصلاة الشرعية وذلك لا يعلم من لفظه بل يفتقر في معرفته الى غيره فلم يحتج به الا بدليل على ان ذلك صلاة
والجواب ان يسلك طريقة من يقول ان الخطاب بلغت العرب والصلاة في اللغة هي الدعاء فوجب انه اذا فعل ما يسمى صلاة في اللغة يكون ممتثلا
واما المجمل في اللغة فمثل ان يستدل الحنفي في تضمين الرهن بقوله

صلى الله عليه و سلم الرهن بما فيه
فيقول له الشافعي هذا مجمل لأنه يفتقر الى تقدير مضمن فيحتمل ان يكون معناه الرهن مضمون بما فيه ويحتمل ان يكون معناه محبوس بما فيه فوجب ان يتوقف فيه
والجواب ان يدل على ان المراد به ما ذكروه اما من جهة الوضع او من جهة الدليل
والاعتراض الرابع المشاركة في الدليل وذلك مثل ان يستدل الحنفي في مسألة الساجة بقوله صلى الله عليه و سلم لا ضرر ولا ضرار في نقض أخرجه الإمام أحمد وغيره دار الغاصب ورد الساجة اضرار فوجب ان لا يجوز
فيقول الشافعي هذا حجة لنا لان فيه اسقاط حق المالك من عين ماله والإحالة على ذمة الغاصب اضرارا به فوجب ان لا يجوز ذلك
والجواب ان يبين المستدل انه لا اضرار على المالك فإنه يدفع اليه

القيمة فيزول عنه الضرر
والاعتراض الخامس باختلاف الرواية
مثل ان يستدل الشافعي في جواز العفو عن القصاص من غير رضا الجاني بقوله صلى الله عليه و سلم فمن قتل بعد ذلك فاهله بين خيرتين ان أخرجه الإمام أحمد في المسند والبخاري في الديات وغيرهم احبوا قتلوا وان احبوا اخذوا العقل
فيقول المخالف قد روي ان احبوا فادوا والمناداة مفاعلة ولا يكون أخرجه النسائي ذلك بالتراضي والخبر خبر واحد فيجب التوقف فيه حتى يعلم اصل الحديث
الجواب انه قد روي الجميع والظاهر منهما الصحة فيه فيصير كالخبرين فيجمع بينهما فنقول يجوز بالتراضي وبغير التراضي وهم لا يقولون بما رويناه
الاعتراض السادس النسخ وذلك من وجوه
احدها ان ينقل نسخة صريحا

والثاني ان ينقل ما ينافيه متأخرا فيدعي نسخه به
والثالث ان ينقل عن الصحابة العمل بخلافه ليدل على نسخه
والرابع ان يدعي نسخه بأنه شرع من قبلنا وانه نسخه شرعنا
فأما النسخ بالتصريح فهو ان يستدل اصحابنا في طهارة جلود الميتة بالدباغ بقوله صلى الله عليه و سلم ايما اهاب دبغ فقد طهر أخرجه الإمام أحمد وغيره
فيقول الحنفي هذا منسوخ بقوله عليه السلام كنت رخصت لكم في جلود الميتة فاذا اتاكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب أخرجه أبو داود وغيره فهذا صريح في نسخ كل خبر ورد في طهارة الجلد بالدباغ
والجواب ان يبين ان هذا لم يتناول خبرنا وانما ورد هذا في جلود الميتة قبل الدباغ لان الاهاب اسم للجلد قبل الدباغ فاما بعد الدباغ فلا يسمى اهابا وانما يسمى جلدا واديما وافيقا
واما النسخ بنقل المتأخر مثل ان يستدل الظاهري في جلد الثيب مع

الرجم بقوله صلى الله عليه و سلم خذوا عني خذوا عني قد جعل الله أخرجه الإمام أحمد في المسند وغيره هن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم
فيقول الشافعي هذا منسوخ بما روي ان النبي عليه السلام رجم ماعزا ولم يجلده وهذا متأخر عن خبركم لان خبركم ورد في اول ما شرع الجلد والرجم
والجواب ان يتكلم على الناسخ بما يسقطه ليبقى له الحديث
واما النسخ بعمل الصحابة بخلافه فمثل استدلال الحنفي في استئناف الفريضة بقوله عليه السلام فاذا زادت الابل على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة في كل خمس شياه فيقول الشافعي هذا الحديث أخرجه الطحاوي في شرح الآثار وغيره

منسوخ لان ابا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يعملا به ولم لم يعلما نسخه لعملا به
والجواب ان يتكلم على عمل الصحابة بما يسقطه ليبقى له الخبر
واما النسخ لانه شرع من قبلنا فمثل استدلال الشافعي رحمه الله في رجم الذمي بان النبي صلى الله عليه و سلم رجم يهوديين زنيا
فيقول المخالف انما رجمهما بحكم التوراة فإنه امر بإحضارهما ثم عمل بذلك وشرعنا قد نسخ ذلك
والجواب ان شرع من قبلنا شرع لنا ما لم نعلم نسخه ولأن النبي

صلى الله عليه و سلم عمل به فدل على انه شرع لنا
وألحق اصحاب ابي حنيفة بذلك وجها اخر وهو النسخ بزوال العلة وذلك مثل ان يستدل اصحابنا في تخليل الخمر بان النبي صلى الله عليه و سلم نهى ابا طلحة عن تخليلها أخرجه البخاري وغيره
فقالوا هذا كان اول ما حرم الخمر والفوا شربها ينهى عن تخليلها تغليظا وتشديدا وقد زال هذا المعنى فزال الحكم
والجواب ان يبين ان ذلك لم يكن لهذه العلة بل كان ذلك بيانا لحكم الخبر كايجاب الحد وتحريم الشرب والمنع من البيع وغير ذلك
وعلى ان لو سلمنا انه حرم لهذه العلة الا انه حرمها بقول مطلق يقتضي تحريمه في الازمان كلها ولا يجوز نسخه بزوال العلة كما انه شرع الرمل والاضطباع في الحج لاظهار الجلد للكفار وقد زال هذا المعنى والحكم باق
والاعتراض السابع التأويل وذلك ضربان

تأويل الظاهر كاستدلال المنفي في ايجاب غسل الثوب من المني صلى الله عليه و سلم ان كان رطبا فاغسليه وان كان يابسا فحكيه فيحمله الشافعي على الاستحباب بدليل
وتخصيص العموم مثل ان يستدل الشافعي في قتل المرتدة بقوله عليه السلام من بدل دينه فاقتلوه فيخصه الحنفي بدليل أخرجه الإمام أحمد في المسند وغيره
والجواب ان يتكلم على الدليل الذي تاول به او خص به ليسلم له الظاهر والعموم
والاعتراض الثامن المعارضة وهي ضربان معارضة بالنطق ومعارضة بالعلة

فالمعارضة بالنطق مثل ان يستدل الشافعي في جواز فعل ما لها سبب في اوقات النهي بقوله عليه السلام
من نام عن صلاة اونسيها فليصلها اذا ذكرها
فيعارضه الحنفي بنهيه عن الصلاة في هذه الاوقات أخرجه الإمام أحمد وغيره
والجواب من وجهين
احدهما ان يسقط المعارضة بما ذكرناه من وجوه الاعتراض
والثاني ان يرجح دليل على معارضة بما نذكره من وجوه الترجيحات

واما الخارج على سبب فضربان
احدهما ان يكون اللفظ مستقلا بنفسه دون السبب والكلام عليه كالكلام على السنة المبتدأة
وزاد اصحاب مالك في الاعتراض عليها ان قالوا ان هذا ورد على سبب فوجب ان يقتصر عليه
وذلك مثل استدلالنا في ايجاب الترتيب في الوضوء بقوله صلى الله عليه و سلم ابدأوا بما بدأ الله به فقالوا هذا ورد في السعي اخرجه الإمام أحمد في المسند وغيره

فوجب ان يقتصر عليه
والجواب ان اللفظ اذا استقل بنفسه حمل عندنا على عمومه فان لم يسلم دللنا عليه
والضرب الثاني ما لا يستقل بنفسه دون السبب
والذي يخصه من الاعتراض دعوى الاجمال وذلك مثل ان يستدل الشافعي في مسألة مد عجوة بما روي ان رجلا اتى النبي صلى الله عليه و سلم ومعه قلادة وفيها خرز وذهب فقال ابتعت هذه بتسعة دنانير فقال لا حتى تميز أخرجه مسلم وغيره وهذا حديث حسن صحيح فيقول المخالف هذا مجمل لانه قضية في عين فيحتمل ان يكون الثمن مثل الذهب الذي في القلادة فنهى لذلك ويحتمل ان يكون اكثر لما ذكرتم فوجب التوقف حتى يعلم
والجواب عنه من اربعة اوجه
احدها ان يقال هذه زيادة في السبب المنقول والحكم اذا نقل مع

سبب لم تجز الزيادة في السبب الا بدليل والذي نقل من السبب بيع الخرز والذهب بالذهب والحكم هو النهي فلم يجز الزيادة في ذلك
والثاني ان يبين ان الظاهر بما ادعاه من ان الذهب الذي مع القلادة اقل من الثمن فان الغالب ان العاقل لا يبيع خرزا وسبعة مثاقيل بسبعة دنانير
والثالث ان يقول لو كان المنع لما ذكرتم بنقل اذا لا يجوز ان ينقل ما لا يتعلق الحكم به ويترك ما يتعلق الحكم به
والرابع انه لم يفصل ولو كان لما ذكروه لفصل وقال لا ان كان الذهب مثل الثمن
فصل واما الفعل فإنه يتوجه عليه ما يتوجه على القول من الاعتراض
فاول ذلك الاعتراض بأن المستدل لا يقول به وذلك مثل ان يستدل الحنفي في قتل المسلم بالكافر بان النبي صلى الله عليه و سلم قتل مسلما بكافر وقال انا احق من وفى بذمته أخرجه الدارقطني والطحاوي وغيرهم
فيقول الشافعي هنا لا تقول به فان الذي قتله به كان رسولا وعند ابي حنيفة لا يقتل المسلم بالرسول
والجواب ان يقول انه لما قتل المسلم بالرسول دل على انه بالذمي اولى ان يقتل ثم نسخ ذلك في الرسول وبقي في الذمي على ما اقتضاه
والاعتراض الثاني ان ينازعه في مقتضاه وهذا النوع يتوجه على الفعل

من طريقين
احدهما ان ينازعه فيما فعل
والثاني ان ينازعه في مقتضى الفعل
فاما الاول فمثل ان يستدل الشافعي في تكرار مسح الرأس بما روى ان النبي عليه السلام توضا ثلاثا ثلاثا وقال هذا وضوئي ووضوء الانبياء قبلي ووضوء خليلي ابراهيم عليه السلام أخرجه ابن ماجه
فيقول الحنفي قوله توضأ ثلاثا معناه غسل لان الوضوء في اللغة هو النظافة وذلك انما يحصل بالغسل ولا يدخل فيه المسح
والجواب عنه من وجهين
احدهما ان يبين ان الوضوء في عرف الشرع هو الغسل والمسح في اللغة عبارة عن الغسل فوجب ان يحمل على عرف الشرع
والثاني ان يبين بالدليل من جهة السياق او غيره ان المراد به الغسل والمسح

والطريق الثاني ما فعله عليه السلام ولكنه ينازعه في مقتضى فعله وذلك مثل ان يستدل الشافعي رحمه الله في وجوب الاعتدال في الركوع والسجود بان النبي صلى الله عليه و سلم فعل ذلك أخرجه البخاري ومسلم غيرهم
فيقول المخالف فعله لا يقتضي الوجوب
والجواب عنه من ثلاثة اوجه
احدها ان يقول فعله عندي يقتضي الوجوب وان لم تسلم دللت عليه
والثاني ان يقول هذا بيان لمجمل واجب في القرآن وبيان الواجب واجب
والثالث ان يقول قد اقترن به امر وهو قوله عليه السلام صلوا كما رأيتموني اصلي والامر يقتضي الوجوب أخرجه الشافعي
والاعتراض الثالث دعوى الاجمال وهو مثل ان يستدل الشافعي

في طهارة المني لان عائشة رضي الله عنها قالت افرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يصلي ولو كان نجسا لقطع الصلاة أخرجه البخاري وغيره
فيقول الحنفي هذا مجمل لانه قضية في عين فيحتمل انه كان قليلا ويحتمل انه كان كثيرا فوجب التوقف فيه
والجواب ان يبين بالدليل انه كان كثيرا لان عائشة احتجت بهذا الخبر على طهارته فلا يجوز ان يحتج بما يعفى عنه ولانها اخبرت عن دوام الفعل وتكراره ويبعد مع التكرار ان يكون ذلك قليلا مع الكثرة
والاعتراض الرابع المشاركة في الدليل مثل ان يستدل الحنفي جواز ترك قسمة اراضي المغنومة بان النبي صلى الله عليه و سلم ترك قسمة بعض حنين
فيقول الشافعي هذه حجة لي لانه قسم بعضه وفعله يقتضي الوجوب
والجواب ان يتأول الفعل ليجمع بينه وبين الترك

والاعتراض الخامس اختلاف الرواية وذلك مثل ان يستدل الحنفي في جواز نكاح المحرم بان النبي صلى الله عليه و سلم تزوج ميمونة وهو محرم أخرجه البخاري ومسلم غيرهم
فيقول الشافعي روي انه تزوجها وهما حلالان اخرجه مالك في الموطأ والإمام أحمد في المسند وغيرهم
والجواب عن ذلك امران
احدهما ان يجمع بين الروايتين ان امكنه
والثاني ان يرجح روايته على روايةالمخالف
والاعتراض السادس دعوى النسخ وذلك مثل ان يستدل الحنفي في سجود السهو ان النبي صلى الله عليه و سلم سجد بعد السلام

فيقول له الشافعي هذا منسوخ بما روى الزهري قال كان اخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل السلام
والجواب ان يتكلم على الناسخ بما يسقطه او يجمع بينهما بالتأويل
والاعتراض السابع التأويل وهو مثل ان يستدل الحنفي بان النبي صلى الله عليه و سلم تزوج ميمونة وهو محرم
فيقول الشافعي يحتمل انه اراد محرم بالحرم بالأحرام فيحمل على ذلك بدليل
والجواب ان يتكلم على الدليل بما يسقطه ليسلم له الظاهر
والاعتراض الثامن المعارضة وذلك قد يكون بظاهر وقد يكون بعلة
فاما الظاهر فمثل ان يستدل الشافعي في رفع اليد حذو المنكب بما

روى ابو حميد الساعدي ان النبي صلى الله عليه و سلم رفع يديه حذو منكبيه أخرجه البخاري مسلم
فيعارضه الحنفي بما روى ابن حجر ان النبي صلى الله عليه و سلم رفع يديه حيال اذنيه أخرجه مسلم وغيره
والجواب ان يتكلم على المعارضة بما ذكرناه من وجوه الاعتراضات او يرجح دليله على ما عورض به بما نذكره في باب الترجيحات ان شاء الله
وان كانت المعارضة بالعلة فالجواب عنه ان يتكلم عليها بما يتكلم على العلل

فصل
واما الاقرار فضربان
اقرار على القول وهو كقوله عليه السلام في الاعتراض والجواب
واقرار على الفعل وهو كقوله عليه السلام في الاعتراض والجواب وقد بينا الجميع
باب الاعتراض على الاستدلال بالاجماع وهو على اربعة اوجه
احدها من جهة الرد وهو من ثلاثة اوجه
احدها رد الرافضة فان عندهم الاجماع ليس بحجة في شيء من الاحكام
والجواب ان يقال هذا اصل من اصول الدين فان لم يسلموا دللنا عليه ولان عندهم وان لم يكن الاجماع حجة الا ان فيه حجة لان فيه قول الامام المعصوم فوجب الاخذ به
والثاني رد اهل الظاهر لاجماع غير الصحابة

والجواب ان ذلك اصل لنا فان لم يسلموا دللنا عليه
والثالث رد اهل الظاهر ايضا فيما ظهر فيه قول بعضهم وسكت الباقون فان عندهم ان ذلك ليس بحجة
والجواب ان يقال ذلك حجة فان لم يسلموا نقلنا الكلام اليه
والاعتراض الثاني المطالبة بتصحيح الاجماع وذلك مثل ان يستدل الشافعي في تغليظ الدية بالحرم بان عمر رضي الله عنه وعثمان وابن عباس رضي الله عنهما غلظوا الدية بالحرم
فيقول المخالف هذا قول نفر من الصحابة وليس باجماع
والجواب ان يبين ظهور ذلك بان يقول امر القتل مما يشيع وينتشر ويتحدث به وينقل القضاء فيه ولا سيما في قصة عثمان رضي الله عنه فانه قضى في امراة قتلت في زحام الطواف بتغليظ الدية
والطواف بحضرة الناس من الافاق فلم يخالفه احد فدل على انه

اجماع
والاعتراض الثالث ان ينقل الخلاف عن بعضهم مثل ان يستدل الحنفي في توريث المبتوتة بان عثمان رضي الله عنه ورث تماضر بنت الاصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف بعد مابت طلاقها أخرجه ابن حجر في الإصابه
ويقول الشافعي رضي الله عنه روي عن ابن الزبير انه خالف فانه قال ورث عثمان تماضر واما انا فلا ارى توريث المبتوتة
والجواب ان يتكلم على قول ابن الزبير بما يسقط ليسلم له الاجماع
والاعتراض الرابع ان يتكلم عليه بما يتكلم على متن السنة وقد بيناه
باب الكلام على قول الواحد من الصحابة والاعتراض عليه من ثلاثة اوجه
احدها ان يقول قول الواحد من الصحابة ليس بحجة
والجواب ان يقول ان ذلك عندي حجة في قوله القديم فان لم يسلم دللت عليه
والاعتراض الثاني ان يعارضه بنص كتاب او سنة
والجواب عنه ان يتكلم على ذلك بما تكلم به على الكتاب والسنة ليبقى له قول الصحابي
والاعتراض الثالث ان ينقل الخلاف عن غيره من الصحابة ليصير المسألة خلافا بين الصحابة
والجواب ان يتكلم على ما نقل من الخلاف بما يسقط ليسلم له ما احتج به
او يرجح ما احتج به على ما عارضه به

اما بان يقول الذي رويت عنهم اكثر وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم عليكم بالسواد الاعظم أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن
او يقول رويت انا عن الخلفاء الراشدين وقد قال صلى الله عليه و سلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي أخرجه الإمام أحمد في المسند
او يقول رويت انا عن ابي بكر وعمر رضي الله عنهما وقد قال عليه السلام اقتدوا باللذين من بعدي ابي بكر وعمر
باب الكلام على فحوى الخطاب والاعتراض على ذلك من وجوه
احدها ان يطالبه بتصحيح المعنى الذي يقتضي تأكيد الفرع على الاصل وهو مثل ان يقول الشافعي في ايجاب الكفارة في القتل العمد الكفارة انما وجبت لرفع الماثم فاذا وجبت في قتل الخطأ ولا اثم فيه ففي قتل العمد اولى
فيقول المخالف لا اسلم ان الكفارة وجبت لرفع الماثم لانها لو كانت لرفع الماثم لما وجبت في قتل الخطا لانه لا ماثم فيه
والجواب ان يدل على ذلك بان يقول الكفارة جعلت للأثم الدليل عليها انها سميت كفارة لانها تكفر السيئة ويدل عليه أنها لا تجب الا في قتل محرم فدل اسمها ووضعها على ما ذكرناه
فأما ايجابها في القتل الخطأ فلأن الخطأ نادر في الجنس فالحق بالغالب والنادر قد يلحق بالغالب في الحكم وان لم يساويه في العلة كالمترفة في السفر يلحق بالغالب في الرخص وإن لم يساوه في الشقة

وكاليائسة في العدة الحقت بسائر النساء وان لم تساوهن في الحاجة الى استبراء الرحم
والاعتراض الثاني ان يقول بموجب التأكيد وهو أن بقول لما كان القتل العمد اغلظ لا جرم غلظناه بايجاب القود
والجواب ان يقال القتل وجب لحق الادمي وما يجب لحق الادمي لا يقضي به حق الله تعالى كما لا يقضي حقه في شبه العمد بالدية المغلظة
والاعتراض الثالث الابطال وهو ان يقول يبطل هذا بالردة فإنها اعظم في الماثم من قتل الخطأ ثم وجبت الكفارة في قتل الخطأ ولم تجب في الردة
والجواب ان يقول الردة لما كانت اغلظ من قتل الخطا اوجبنا فيه بحق الله تعالى عقوبة وهي القتل
والاعتراض الرابع ان يطالبه بحكم التاكيد وذلك مثل ان يقول الحنفي في ازالة النجاسة بالخل انه اذا جاز بالماء فبالخل اجوز لانه ابلغ في الازالة
فيقول الشافعي فيجب على قول ذلك ان يقول ان الخل افضل من الماء لانه ابلغ وعندك الماء افضل
والجواب ان يقول انما كان افضل لان فيه نصا متأولا فتعلقت به

الفضيلة دون الخل
والاعتراض الخامس ان يجعل التأكيد حجة عليه وهو مثل ان يقول الشافعي في اللواط انه اذا وجب الحد في الوطء في القبل وهو مما يستباح فلان يجب في اللواط وهو لا يستباح اولى
فيقول المخالف هو الحجة فانه لما كان اللواط اغلظ في التحريم جاز ان لا يجعل مظهر الغلظة
والجواب ان يبطل هذا بان يقال لو كان لما ذكرتم لوجب ان لا يوجب التعزيز
والاعتراض السادس ان يقابل التأكيد بما يسقطه وهو ان يقال ان كان اللواط اشد في التحريم الا ان الفساد في وطء النساء اعظم لانه يؤدي الى خلط الانساب وافساد الفراش فهو بالحد اولى
والجواب عنه ان يبطل عليه المقابلة بان يقول لو صح هذا لوجب ان لا يجب الحد في الزنى بوطء من لا زوج لها لانه ليس فيه خلط النسب ولا افساد الفراش
باب الكلام على دليل الخطاب وهو يجري مجرى الخطاب في اكثر الاعتراضات الا ان الذي يكثر فيه وجوه
احدها الرد مثل ان يستدل الشافعي في ان الثمرة تتبع الاصل في البيع قبل التابير بما روي عن النبي عليه السلام انه قال
من باع نخلا بعد ان يؤبر فثمرتها للبائع الا ان يشترطها المبتاع فدل على انه اذا باع قبل ان يؤبر فثمرتها للمشتري
فيقول الحنفي هذا استدلال بدليل الخطاب وعندي ان ذلك ليس بحجة
والجواب عن هذا من وجوه
احدها ان يقول دليل الخطاب عندنا حجة فان لم يسلم نقلنا الكلام اليه
والثاني ان يقول هذا استدلال بنفس الخطاب فانه قال من باع ومن حرف من حروف الشرط فدل على ان التابير شرط في كون الثمرة للبائع وعندهم ان ذلك ليس بشرط

والثالث ان ذكر الصفة في الحكم تعليل الا ترى انه اذا قال اقطعوا السارق كان معناه لسرقته اذا قال اجلدوا الزاني كان معناه لزناه فكذلك لما قال من باع نخلا بعد ان يؤبر فثمرتها للبائع وجب ان يكون معناه لكونها مؤبرة وعندهم ان ذلك ليس بعلة
والاعتراض الثاني ان يعارضه بنطق او بفحوى النطق وهو التنبيه او القياس والكلام عليه ان يتكلم على هذه المعارضات بما يسقطها ليبقى له الدليل
والاعتراض الثالث ان نتكلم عليه بالتاويل وهو ان يبين فائدة التخصيص
بان يقول انما خص هذه الحال بالذكر لانه موضع اشكال مثل ان يستدل الحنفي في اسقاط الكفارة في قتل العمد بقوله تعالى ومن قتل مؤمن خطأ فتحرير رقبة مؤمنة فدل على انه اذا قتله عمدا لم يجب
فيقول الشافعي انما خص الخطا بالذكر لانه موضع اشكال حتى لا يظن ظان انه لا يجب عليه الكفارة لكونه خطا
أو خص بالذكر لانه الغالب انه لا يقع الا على هذه الصفة مثل ان يقول الحنفي في المنع من التيمم في الحضر لقوله تعالى وان كنتم مرضى او على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا فدل على انه اذا لم يكن في السفر لم يتيمم

فيقول الشفعي انما خص السفر بالذكر لان الغالب ان الماء لا يعدم الا في السفر فاحمله على ذلك بدليل كذا وكذا
والجواب ان يتكلم على الدليل بما يسقط ليسلم له الدليل
باب الكلام على معنى الخطاب وهو القياس والكلام عليه من وجوه
احدها من جهة الرد وذلك من وجهين
الاول من جهة نفاة القياس في جميع الاحكام
والجواب ان يقال هذا اصل من اصول الدين فان لم يسلم دللت عليه
والثاني من جهة مثبتي القياس وهم اصحاب ابي حنيفة فانهم يمنعون القياس في مواضع منها في اثبات الاسامي واللغات ومنها في اثبات الابدال ومنها في اثبات المقدرات ومنها في ايجاب الحدود ومنها في ايجاب الكفارات ومنها في اثبات الزيادة في القران ومنها في اثبات الجمل
فاما في اثبات اللغات
فمثل ان يستدل الشافعي في ان السراح صريح في الطلاق بالقياس على لفظ الطلاق

او يستدل في ان نبيذ التمر سمي خمرا بالقياس على عصير العنب فيقول الحنفي هذا اثبات اللغة بالقياس وذلك لا يجوز
والجواب ان عندنا يجوز ذلك فان لم تسلم دللت عليه
واما في اثبات الابدال فمثل ان يثبت الشافعي لهدى المحصر بدلا قياسا على سائر الهدايا
فيقول الحنفي الابدال لا يجوز اثباتها بالقياس
والجواب ان يقال عندنا يجوز ذلك فان لم تسلم دللنا عليه ثم يناقضهم بالمواضع التي اثبتوا البدل فيها بالقياس
واما في إثبات المقدرات
فهو مثل ان يقول الشافعي في حد البلوغ السنة السابعة عشر شبهة يحكم فيها ببلوغ الجارية يحكم ببلوغ الغلام كالثامنة عشرة

قياسا على المجامع
او يستدل في ايجاب الحد على الردء في قاطع الطريق قياسا على الردء في الغنيمة وما اشبه ذلك من الاحكام التي لا يجوز اثباتها بالقياس
فيقول الشافعي القياس عندك في هذه الاحكام باطل ولا يجوز ان يحتج به
وتكلف بعضهم الجواب عنه بان عندنا انما لا يجوز اثبات اصل الحد والكفارة في باب لم يثبت ذلك فيه فاما في باب وجبت فيه الكفارة بالاجماع واختلفت في موضعها فيجوز
وها هنا الكفارة في الصوم قد وجبت بالاجماع والحد قد وجب في المحاربة وانما اختلفنا في موضعها فاثبتنا في موضعها بالقياس
والاعتراض الثالث منع الحكم في الاصل
والجواب عنه من ثلاثة اوجه
احدها ان يبين موضعها مسلما
وذلك مثل ان يقيس الشافعي في ايجاب الترتيب في الوضوء على الصلاة
فيقول الحنفي لا اسلم الاصل فإن الترتيب لا يجب في الصلاة فانه لو ترك اربعة سجدات في اربع ركعات فاتى بهن في اخر صلاته اجزاه من غير ترتيب

فيقول الشافعي لا خلاف انه اذا قدم السجود على الركوع ان ذلك لا يجوز وهذا يكفيني
والثاني ان يفسر الحكم بتفسير مسلم
وذلك مثل ان يقول الحنفي ان الاجارة تبطل بالموت لانه عقد على المنفعة فبطل بموت المعقود له كالنكاح
ويقول الشافعي لا اسلم الاصل فان النكاح لا يبطل بالموت وانما ينتهي بالموت كما تنتهي الاجارة بإنقضاء المدة
فيفسر الحنفي الحكم بانه يريد انه لا يبقى بعد الموت وهذا مسلم
والثالث ان يدل عليه وذلك مثل ان يقول الشافعي في غسل الاناء من ولوغ الخنزير سبعا انه حيوان نجس في حال حياته فوجب غسل الاناء من ولوغه سبعا كالكلب
فيقول الحنفي لا اسلم الاصل
فيقول الشافعي يدل عليه ان النبي صلى الله عليه و سلم قال طهور اناء احدكم اذا ولغ الكلب فيه ان يغسل سبعا احداهن بالتراب فاذا ثبت الاصل بالخبر صح قياس الخنزير عليه
والحق اصحاب ابي حنيفة منع الاصل من جهة القياس وذلك مثل ان يقيس الشافعي الحج على الصوم في انه لا يفسد بالاجماع ناسيا

فيقول المخالف هذا اثبات تقدير بالقياس والتقدير لا يعرف بالقياس وانما يعرف بالتوقيف
والجواب ان يقول عندنا يجوز وان لم يسلم دللت عليه ولانهم ناقضوا فقدروا الخرق في الخف بثلاثة اصابع بالقياس على المسح وقدروا العدد في الجمعة باربعة بالقياس
واما في اثبات الحدود
فهو مثل قياس الشافعي اللواط على الزنا في ايجاب الحد
فيقول المخالف اثبات الحدود لا يجوز بالقياس
والجواب ان يقال يجوز ذلك عندنا فإن لم يسلم دللنا عليه ولانهم ناقضوا فاوجبوا الحد على الردء في قطاع الطريق بالقياس على الردء في الغنيمة
واما في اثبات الكفارات
فهو كقياسنا قتل العمد على الخطأ في ايجاب الكفارة
فيقول المخالف ايجاب الكفارة بالقياس لا يجوز
فالجواب أن يقال عندنا يجوز ذلك فان لم يسلم دللنا عليه ولانهم ناقضوا فاوجبوا الكفارة على المفطر بالاكل قياسا على المفطر في رمضان

بالجماع
واما في اثبات الزيادة في نص القران
فمثل قياسنا في ايجاب النية في الوضوء
فقالوا هذا اثبات زيادة في نص القران وذلك نسخ للقران ولا يجوز بالقياس
والجواب أن عندنا ليس ذلك بنسخ ويجوز بالقياس فان لم يسلموا دللنا عليه ولانهم ناقضوا في ذلك فان الله تعالى قال ولذي القربى فزادوا فيه اذا كانوا فقراء بدليل القياس
واما في اثبات الجمل
فهو مثل قياسنا في اجارة المساقاة على المضاربة
فيقول المخالف هذا اثبات جملة لا اصل لها بالقياس وهذا لا يجوز كما لا يجوز اثبات صلاة سادسة بالقياس
والجواب ان عندنا يجوز ذلك كما يجوز اثبات التفصيل فإن لم يسلم دللنا عليه
والاعتراض الثاني ان يقول انت لا تقول بالقياس في هذا الحكم
وذلك مثل ان يستدل الحنفي بالقياس في ايجاب الكفارة على الاكل

فيقول الحنفي الاصل غير مسلم من جهة القياس فان القياس ان يفسد الصوم باجماع ناسيا وانما لم يفسد استحسانا للخبر والقياس على موضع الاستحسان لا يجوز
والجواب عنه من وجهين
احدهما ان يقال اذا ثبت بالخبر انه لا يفسد صار ذلك اصلا وكان القياس عليه اولى من القياس على غيره
ولان الخبر انما ورد في الاكل ناسيا لا في الجماع ثم قاسوا عليه الجماع فدل على جواز القياس على ما استحسن بالخبر
والاعتراض الرابع منع الوصف في الاصل او في الفرع او فيهما
وقد يكون ذلك على اصل المعلل مثل ان يقول الحنفي في المنع من اضافة الطلاق الى الشعر انه معنا يتعلق صحته بالقول فلم يصح تعليقه على الشعر كالبيع
فيقول الشافعي عندك الطلاق لا يتعلق صحته بالقول فإنه يصح بالكتابة وكذلك البيع يصح عندك بالكتابة فلا يصح الوصف على اصلك
والجواب عنه ان يفسر بما يسلم وهو ان يقول اريد به انه يصح بالقول ولا خلاف انه يصح بالقول
واما على اصل السائل فمثل ان يقول الشافعي في ايجاب الترتيب في الطهارة انه عبادة يبطلها النوم فوجب فيها الترتيب كالصلاة

فيقول المخالف لا اسلم ان الوضوء عبادة
والجواب عنه من ثلاثة اوجه
احدها ان يبين موضعا يسلمه مثل ان يقول اعلل التيمم ولا خلاف ان ذلك عبادة
والثاني ان يفسر بما يسلم له وهو ان يقول اريد به أنه طاعة لله تعالى فهو مسلم
والثالث ان يدل عليه لما روي ان النبي عليه السلام قال الوضوء شطر الايمان فدل على انه عبادة
والاعتراض الخامس المطالبة بتصحيح العلة
والجواب ان يدل عليه والطريق في تصحيحها سياق الالفاظ والاستنباط
فاما الالفاظ فدلالتها من وجهين النص والظاهر
فالنص مثل ان يقول الشافعي في بيع الرطب بالتمر انهما مطعومان اتفقا في الجنس واختلفا في حال الادخار فاشبه الحنطة

بالدقيق فيدل عليه بما روي ان النبي صلى الله عليه و سلم سأل عن بيع الرطب بالتمر فقال اينقص الرطب اذا يبس فقيل نعم فقال فلا اذن ومعناه من اجله
واما الظاهر
فقد يكون نطقا كقولنا في بيع البر انه مطعوم الجنس والدليل عليه ان النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن بيع الطعام الا مثلا بمثل وذكر الصفة في الحكم تعليل فدل على ان الطعم علة
وقد يكون سببا ينقل مع الحكم مثل ان يقول الشافعي ان الثيب لا تجبر على النكاح لانها حية سليمة موطوءة في القبل فلا تجبر على النكاح كالبالغة
فيطالب بالدلالة على صحة العلة فيقول الدليل عليه ما روي ان خنساء زوجها ابوها وهي ثيب فخيرها رسول الله صلى اللله عليه وسلم فدل على

ان للوطيء تأثيرا في نفي الاجبار
واما الاستنباط فضربان التاثير وشهادة الاصول
فالتاثير هو ان يقول في النبيذ انه حرام لانه شراب فيه شدة مطربة فكان حراما كالخمر
فيقول الحنفي ما الدليل على صحة هذه العلة
فيقول الدليل عليه التاثير وهو وجود الحكم لوجود العلة وعدمه لعدمها الا ترى ان العصير قبل حدوث الشدة مجمع على تحليله ثم حدثت الشدة ولم يحدث غيرها واجمعوا على تحريمه ثم زالت الشدة ولم يزل غيرها واجمعوا على تحليله ولو قدرنا عود الشدة لقدرنا عود التحريم كما قال الله تعالى ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه فدل على انه هو العلة
وشهادة الاصول مثل ان يقول الشافعي في القيء انه لا يبطل الوضوء لان ما لا ينقض قليله الوضوء لم ينقض كثيره الوضوء كالدمع والعرق

فيقال له ما الدليل على صحة هذه العلة
فيقول شهادة الاصول وذلك ان الاصول متفقة على التسوية بين القليل والكثير فيما ينقض وفيما لا ينقض الا ترى ان البول والغائط والنوم لما نقض استوى قليله وكثيره وما لا ينقض كالدمع والعرق والكلام يستوي فيه القليل والكثير فدل على ما قلناه
والاعتراض السادس عدم التأثير وهو وجود الحكم مع عدم العلة وذلك ضربان
احدهما عدم التأثير في وصف اذا اسقط من العلة تنتقض العلة
والثاني عدم التاثير في وصف اذا اسقط من العة لم تنتقض العلة
فاما الاول فالجواب عنه من وجوه
احدها ان يقول التاثير انما يطلب في قياس العلة وهذا قياس دلالة وذلك مثل ان يقول الشافعي في النية في الوضوء انه طهارة عن حدث فافترقت الى النية كالتيمم
فيقول الحنفي لا تأثير للطهارة فان ما ليس بطهارة ايضا يفتقر الى النية وهو الصوم والصلاة
فيقول هذا ليس بقياس علة وانما هو قياس دلالة والتأثير انما يلزم قياس العلة لان المعلل يدعى ان الحكم ثبت لهذه العلة ولا يعلم ثبوت الحكم بالعلة الا بالتأثير فأما في قياس الدلالة فلا يلزم ولا يعلم ثبوت الحكم بالعلة

الا بالتأثير فأما في قياس الدلالة فلا يلزم لانه لم يدع ان الحكم ثبت بهذه العلة وانما ادعى ان ذلك دليل على الحكم ولهذا لزم التاثير في العلل العقلية ولم يلزم في الادلة العقلية
والثاني ان يقول هذه العلة منصوص عليها ولا يحتاج الى التاثير وذلك مثل ان يقول الشافعي في ردة المراة انه كفر بعد ايمان فاوجب القتل كردة الرجل
فيقول المخالف لا تاثير لقولك كفر بعد ايمان فان كفر رجل لو كان قبل الإيمان اوجب القتل
فيقول الكفر بعد الايمان منصوص عليه بقوله صلى الله عليه و سلم
لا يحل دم امريء مسلم الا بأحدى ثلاث كفر بعد ايمان والتاثير انما يتوصل به الى معرفة علة الشرع بالاستنباط فاذا نص عليه صاحب الشرع ثبت كونه علة واستغني عن تعرف ذلك بالاستنباط
والثالث ان يبين تأثيرها في موضع من المواضع وذلك مثل ان يقول الشافعي في لبن الميتة انه نجس لانه مائع غير الماء لاقى نجاسة فنجس كما لو وقع في اللبن نجاسة
فيقول الحنفي لا تاثير لقولك غير الماء لان الماء ايضا ينجس بملاقاة النجاسة وهو ما دون القلتين

فيقول تاثيره في القلتين و التاثير يكفي في موضع واحد فإنه لو اعتبر في جميع المواضع صار عكسا وليس من شرط العلة العكس
واما عدم التأثير فيما لا تنتقض العلة باسقاطه فالجواب عنه من وجوه
احدها ان يقول هذه الزيادة ذكرتها للتاكيد وذلك مثل ان يقول الشافعي في المتولد بين الظباء والغنم انه لا زكاة فيه لانه متولد من اصلين لا زكاة في احدها بحال فلم تجب فيه الزكاة كما لو كانت الامهات من الظباء
فيقول المخالف لا تأثير لقولك بحال فإنك لو اقتصرت على قولك لا زكاة في احدهما لم ينتقض بشيء فقولك بحال حشو في العلة لا يحتاج اليه
فيقول الشافعي ذكرته للتاكيد وتاكيد الالفاظ لغة العرب ولا يعد حشوا بهذا قال الله تعالى فسجد الملائكة كلهم اجمعون فأكد ثم اكد ولم يعد ذلك لغوا
والجواب الثاني ان يقول هذه الزيادة ذكرتها لتأكيد الحكم وذلك مثل ان يقول الشافعي في القذف انه يتعلق به رد الشهادة لانها كبيرة توجب الحد فتعلق بها رد الشهادة كالزنا
فيقول المخالف قولك توجب الحد حشو في العلة لا يحتاج اليه
والجواب ان يقول تعلق الحد بها فدل على تاكدها وتاكد العلة يوجب تاكيد الحكم وما يوجب تاكيد الحكم لا يعد لغوا

والجواب الثالث ان يقول هذه الزيادة ذكرتها للبيان وذلك مثل ان يقول الشافعي في التحري في الاواني انه جنس يدخله التحري اذا كان عدد المباح اكثر فدخله التحري وان لم يكن عدد المباح اكثر كالثياب
فيقول المحالف لا تاثيل لقولك اذا كان عدد المباح اكثر فانك لو قلت جنس يدخله التحري لكفى فقولك اذا كان عدد المباح اكثر حشو لا تحتاج اليه فهو كما لو قال مطعوم مقتات جنس
فيقول الشافعي هذا بيان لما تقتضيه العلة وذلك انك لو قلت جنس يدخله التحري لكان معناه اذا كان عدد المباح اكثر وبيان ما يقتضيه الكلام لا يعد حشوا ويخالف ذكر القوت مع الطعم لان ذلك ليس ببيان لمعنى العلة الا ترى ان ذكر القوت يخرج من العلة ما ليس بقوت وهذا بيان لمعنى العلة الا ترى انه لا يخرج به من العلة شيء فوزانه ان يضيف الى الطعم ما هو بيان لمعناه بأن يقول مطعوم للآدميين في جنس فيجوز حين كان ذلك معنى المطعوم
والجواب الرابع ان يقول هذه الزيادة لتقريب الفرع من الاصل وذلك مثل ان يقول الشافعي في جلد الكلب لا يطهر بالدباغ لان ما يعد للدباغ حاله يحكم فيها لطهارة جلد الشاة فوجب ان يحكم بنجاسة جلد الكلب كحال الحياة
فيقول الحنفي لا تاثير لقولك يحكم فيها بطهارة جلد الشاة فانك لو قلت حاله يحكم فيها بنجاسة جلد الكلب كض الزيادة عليه حشو

فيقول الشافعي هذه الزيادة ذكرتها لتقريب الفرع من الاصل واما بعد الدباغ يجري مجرى حال الحياة بدليل انهما يستويان في ايجاب الطهارة فاذا لم يؤثر الحياة في طهارة جلد الكلب دل على ان الدباغ مثله وتقريب الفرع من الاصل يزيد في الظن فلا يعد حشوا
والاعتراض السابع النقض و هو وجود العلة و لا حكم على قول من لا يرى تخصيص العلة
فالجواب عنه من وجوه
احدها ان لا يسلم مسألة النقض وذلك مثل ان يقول الشافعي في تحالف المتبايعين عند هلاك السلعة انه فسخ بيع يصح مع رد العين فصح مع رد القيمة كما لو اشترى ثوبا بعبد وتقابضا ثم هلك العبد ووجد مشتري الثوب بالثوب عيبا
فيقول الحنفي هذا يبطل بالاقالة
فيقول الشافعي لا اسلم الاقالة فانها تجوز مع هلاك السلعة
والثاني ان لا يسلم وجود العلة وذلك مثل ان يقول الحنفي في المضمضة انها تجب في الغسل لانه عضو يجب غسله من النجاسة فوجب غسله من الجنابة كسائر الاعضاء

فيقول الشافعي هذا يبطل بالعين
فيقول المخالف العين لا يجب غسلها من النجاسة فلا يلزم النقض
والثالث ان يدفع النقض بمعنى اللفظ وذلك شيئان مقتضى اللفظ وتفسير اللفظ
فاما مقتضى اللفظ فهو مثل ان يقول الشافعي في مهر المستكرهة على الزنا ظلمها بإتلاف ما يتقوم فلزم الضمان كما لو اتلف عليها مالها
فيقول الحنفي هذا يبطل بالحربي اذا وطئها
فيقول قولنا ظلمها يرجع الى هذه المستكرهة الذي هو من اهل الضمان اذ لا يجوز ان يخلو قولنا ظلمها من فاعل معين وليس الا هذه المستكرهة الذي هو من اهل الضمان فصار كانا قلنا هذا الذي هو من اهل الضمان ظلمها
ومثل ان يقول الشافعي في ضمان المنافع بالغضب ان ما ضمن بالمسمى في العقد الصحيح جاز ان يضمن الاتلاف بالعدوان المحض كالاعيان
فقال هذا يبطل بالحربي فانه يضمن المنافع بالمسمى في العقد الصحيح ولا يضمن بالاتلاف
فيقول الشافعي هذا لا يلزم لانا لم نقل ان من ضمن بالمسمى ضمن بالاتلاف وانما قلنا ما ضمن بالمسمى ضمن بالاتلاف وتلك المنافع يجوز ان

تضمن بالاتلاف وهو اذا اتلفها مسلم او ذمي فلا يلزم النقد
واما التفسير فهو ان يحتمل اللفظ امرين احتمالا واحدا فيفسر باحدهما ليدفع النقد وذلك
والحق اصحاب ابي حنيفة بذلك اجوبة اخر
احدها التسوية بين الاصل والفرع في مسالة النقض وذلك مثل ان يقول في ايجاب الاحداد على المبتوتة بانها معتدة بائن فلزمها الاحداد كالمتوفى عنها زوجها
فيقال له هذا ينتقض بالذمية
فقال يستوي فيه الاصل والفرع فإن الذمية لو كانت متوفيا عنها زوجها لم يجب عليها ايضا الاحداد
وهذا ليس بجواب عندنا لانا نقضنا بالذمية المبتوتة فقالوا وينتقض بالذمية المتوفى عنها زوجها فيصير النقض نقضين
والثاني ان قالوا هذا موضع استحسبان مثل ان يقول الحنفي

في الكلام في الصلاة ناسيا ان ما ابطل العبادة عمدت ابطالها سهوة كالحدث
فقلنا ينتقض بالاكل في الصوم
فقالوا هذا استحسان
والجواب ان هذا تأكيد للنقض لان معناه ان النص دل على انتقاضه فيكون اكد للنقض
والثالث ان قالوا ان عندنا تخصيص العلة جائز
وهذا ليس بشيء لانهم دخلوا معنا على مراعاة الطرد والاحتراز من النقض ولهذا احترزوا من سائر النقوض ولم يرجعوا فيها الى جواز التخصيص
والاعتراض الثامن الكسر وهو وجود معنى العلة ولا حكم
والجواب عنه ان يبين ان ما اورده ليس في معنى العلة وذلك مثل ان يقول الشافعي في بيع ما لم يره المشتري انه مبيع مجهول الصفة

عند العاقد حال العقد فلم يصح بيعه كما لو قال بعتك ثوبا
فيقول المخالف هذا ينكسر به اذا تزوج امراة لم يرها فانها مجهولة عند العاقد حال العقد ثم يصح
فيقول الشافعي ليس النكاح كالبيع في هذا الحكم لان للجهالة من التاثير في باب البيع ما ليس لها في النكاح ولهذا لو تزوج امراة لم يرها ثم راها ثبت له الخيار فجاز ان يكون عدم الرؤية في النكاح لا يمنع الصحة وفي البيع يمنع
والاعتراض التاسع القول بموجب العلة وذلك ضربان
احدهما في علة دل بها على ابطال سبب الحكم
فاما الاول فالجواب عنه من ثلاثة اوجه
احدها ان يقول هذا رجوع عن السؤال وذلك مثل ان يقول الشافعي في الاجارة انها لا تبطل بالموت لانه معنى يزيل التكليف ولا تبطل الاجارة مع سلامة المعقود عليه كالمجنون
فيقول الحنفي ان اقول بموجبه فان عندي لا تبطل بالموت وانما تبطل بانتقال الملك ولهذا لو اجر دار غيره بوكالة او وصية ثم مات لم تبطل
فيقول هذا رجوع عن السؤال فانك سالتني عن الاجارة هل تبطل

بالموت ثم طالبتني بالدليل على ذلك ولا يقبل برجوعك
والجواب الثاني ان يقول ان تعليلي يقتضي انه لا يبطل به ولا يكون سببا فيه وعندك وان لم تبطل بالموت الا انه سبب فيه لان بالموت انتقل الملك ويبطل العقد
والجواب الثالث ان يجعل ذلك دليلا على امرين وذلك مثل ان يقول فيمن نسي الماء في رحله وصلى بالتيمم انه يجب عليه الاعادة لانها طهارة ولا يسقط فرضها بالنسيان دليله ازالة النجاسة
فيقول الحنفي عندي لا يسقط بالنسيان وانما سقط بالنسيان والسفر
فيقول الشافعي يجمع بين الامرين فيقول ولا يسقط بالنسيان والسفر اصله ما ذكرناه
واما الضرب الثاني فهو ما دل به على نفس الحكم
فالجواب عن القول بموجبه ان يبين ان عمومه او ظاهره او تفسيره يمنع من القول بموجبه
فأما العموم فمثل ان يقول الشافعي ان القيام في السفينة واجب لانه فرض فيه غير السفينة فوجب في السفينة كسائر الفروض
فيقول المخالف انا اقول بموجبه فان القيام يجب في السفينة وهو اذا كانت واقفة

فاما العموم فيقول الشافعي قولنا فوجب في السفينة عام في جميع الاحوال في حال قيام السفينة وفي حال السير
واما الظاهر فهو مثل ان يقول الشافعي رحمه الله في زكاة الحلي انه ما يجب فيه الزكاة بالحول والنصاب فوجب ان يتنوع نوعين نوع يجب فيه الزكاة ونوع لا يجب فيه الزكاة كالماشية
فيقول المخالف انا اقول بموجبه فان عندي يتنوع نوعين
نوع يجب فيه الزكاة وهو من كان في البالغ
ونوع لا يجب فيه الزكاة وهو ما كان للصبي
فيقول ظاهر التعليل يقتضي ان يتنوع في نفسه وفيما ذكرتم لم يتنوع المال وانما يتنوع المالك فمالك يجب عليه ومالك لا يجب عليه
واما التفسير فهو مثل ان يقول الحنفي في الخيل انه يجب فيها الزكاة لانها بهيمة يجوز المسابقة عليها فجاز ان يتعلق بها الزكاة كالأبل
فيقول الشافعي رحمه الله انا اقول بموجبه فان عندي يجوز ان يتعلق بها الزكاة وهي زكاة التجارة
فيقول الحنفي معنى قولنا جاز ان يتعلق بها الزكاة التي وقع السؤال عنها لان الالف واللام للتعريف والزكاة المعروفة في الخيل هي التي وقع

السؤال عنها وهي زكاة السوم
والاعتراض العاشر ان لا يوجب العلة احكامها وذلك ان يوجب العلة حكمين فيعلق عليها احدهما دون الاخر
وذلك مثل ان يقول الحنفي ان صوم رمضان لا يفتقر الى تعيين النية لانه مستحق العين فهو كرد الوديعة
فيقول الشافعي استحقاق العين كما يجب اسقاط التعبد يوجب اسقاط النية فلو اسقط التعيين لاسقط النية كما قال زفر وكما قلنا في الوديعة
والجواب ان يبين احتلاف الحكمين وذلك ان يقول النية تراد لتحصيل القربة والزمان يحتمل القربة وغير القربة فافتقر الى النية لتحصيل القربة والتعيين يراد للتمييز بين اصناف القرب والزمان لا يحتمل اصناف القرب ولهذا المعنى افتقر طواف الزيارة الى النية لتحصيل القربة ثم لا يفتقر الى التعيين لانه يحتمل الوقت اصناف القرب
والاعتراض الحادي عشر فساد الوضع وهو ان يعلق على العلة ضد ما يقتضيه ويعرف ذلك من وجهين
احدهما من جهة الاصول

والثاني من جهة الرسول
فأما ما عرف من جهة الرسول فهو مثل ان يقول الحنفي في تنجيس سؤر السباع انه سبع ذو ناب فكان سؤره نجسا كالخنزير
فيقول الشافعي رحمه الله كونه سبعا جعل في الشرع علة للطهارة والدليل عليه ما روي ان النبي صلى الله عليه و سلم دعي الى دار قوم فاجاب ودعي الى دار قوم فلم يجب فقيل له صلى الله عليه و سلم دعاك فلان فاجبت ودعاك فلان فلم تجب فقال ان في دار فلان كلبا فقيل وفي دار فلان هرة فقال الهرة سبع فجعل كون الهرة سبعا علة للطهارة فلا يجوز ان يجعل علة للنجاسة
والجواب ان يتكلم على الخنزير بم يسقطه ليسلم له العلة
واما ما عرف من جهة الاصول فهو مثل ان يقول الحنفي في قتل العمد انه معنى يوجب القتل فلا يوجب الكفارة كالردة
فيقال له علقت على العلة ضد المقتضي بان كونه موجبا للقتل بسبب التغليظ فلا يجوز ان يجعل سببا لاسقاط الكفارة
والجواب ان يبين انه لا يقتضي الا ما علق عليه لانه اذا تغلظ بوجوب القتل وجب ان يستغني عن تغليظ اخر

واجاب بعضهم عنه بأن هذا يبطل بالاصل وهو الردة فإنها اوجبت القتل ثم لم توجب الكفارة
وهذا ليس بتصحيح لأن السائل لم يقل إن وجوب القتل علة لايجاب الكفارة وانما قال سبب والايجاب وسبب الايجاب لا يصلح ان يعلق عليه الاسقاط وان كان لا يتعلق به الايجاب كالشاهد الواحد علم للايجاب فلا يحتج به للاسقاط وان كان لا يتعلق عليه الايجاب وكذلك ههنا مثله
والاعتراض الثاني عشر فساد الاعتبار وذلك من وجهين
من جهة النص
ومن جهة الاصول
فما يعرف بالنص هو ان يعتبر حكما بحكم وقد ورد النص بالتفرقة بينهما كاعتبار اصحاب ابي حنيفة تخليل الخمر بالدباغ
فيقول الشافعي النص فرق بينهما لإن النبي صلى الله عليه و سلم ندب الى الدباغ في شاة مولاة ميمونة ونهى عن التخليل فلا يجوز اعتبار احدهما بالاخر
والجواب ان يبين صحة اعتباره وان الشرع ورد باعتباره في الآخر فإنه عليه السلام قال يحل الدباغ الجلد كما يحل الخمر بالخل ويتكلم على خبر التخليل بما يسقطه ليسلم له الاعتبار

والحق اصحاب ابي حنيفة رحمهم الله بهذا حمل المطلق على المقيد حيث قسنا كفارة الظهار على كفارة القتل في اعتبار الايمان فقالوا القران فرق بينهما فلا يجوز اعتبارا احدهما بالآخر
وهذا غير صحيح لان النص لم يفرق بينهما في اعتبار الايمان بل اوجب الايمان في احدهما وامسك عنه في الاخر وقياس المسكوت عنه على المنطوق جائز
واما ما يعرف بالأصول فمن وجوه
احدها ان يعتبر حكما بحكم واحدهما مبني على التوسعة والاخر على التضييق كاعتبار الكفارة في رمضان بالقضاء والقطع بالاغرم
فيقال هذا اعتبار باطل لان احدهما مبناه على التضييق والاخر على التوسعة فلا يعتبر احدهما بالاخر
او يعتبر الابتداء بالاستدامة كاعتبار ابتداء النكاح باستدامة في الاحرام فيقال الاستدامة اقوى والابتداء اضعف فلا يعتبر احدهما بالاخر
او يعتبر الرق بالعتق او العتق بالبيع ومبنى احدهما على الضعف ومبنى الاخر على القوة فلا يجوز اعتبار احدهما بالاخر
والجواب ان يبين انهما في الموضع الذي علل سواء
والثاني ان يعتبر فرعا باصل وهما مختلفان في نظائر الحكم كاعتبار الصغير بالكبير في ايجاب الزكاة وهما مختلفان في الصلاة والصوم والحج

وكاعتبار المراة بالرجل في القتل بالردة وهما مختلفان في القتل بالكفر الاصلي وما اشبه ذلك
والجواب ان يبين ان ما ذكر انه نظير الحكم ليس بنظير العلة وانما نظير الحكم غيره وهما يتفقان فيه
واضاف اصحاب ابي حنيفة رحمهم الله الى ذلك وجوها أخر
فقالوا لا يجوز اعتبار المتقدم بالمتاخر كاعتبار الشافعي الوضوء بالتيمم في ايجاب النية لان الوضوء شرع قبل التيمم ووجهت فيه النية قبل ان يشرع التيمم ولا يجوز ان يجعل وجوب النية في التيمم علة لوجوبها في الوضوء لانه يؤدي الى ان يتاخر العلة عن الحكم والاصل عن الفرع وهذا لا يجوز
والجواب انا لم نجعل التيمم عللة لوجوب النية في الوضوء وانما جعلناه دليلا فقلنا لما اوجب الله تعالى التيمم بعد الوضوء واوجب فيه النية دلنا ذلك على انه لما اوجب الوضوء اوجبه مع النية لان ذلك بدل عنه والبدل لا يخالف المبدل في النية في الاصول
والدليل يجوز ان يتأخر عن المدلول ولهذا استدللنا بالافعال المحدثة على القديم سبحانه واستدللنا بالمعجرة المتأخرة على صدق الرسول صلى الله عليه و سلم وان كان ثبوته ثابتا من قبل فكذلك ههنا
وقالوا ايضا لا يجوز ان يستدل بنفي الطلاق في النكاح كان في الاصل لم يصح منه لانه غير مكلف فهذا غير مالك ولا فرق في الاصول بين غير المكلف وبين غير المالك فالدليل عليه وجهان

احدهما ان في البيع من لا يملك كمن ليس بمكلف في انه لا ينفذ بيعه
والثاني ان يبين ان هذا جعل في الحكم كالمجنون الا ترى انهما في الطلاق المباشر يستويان فدل على انهما سيام
وان كان علة الاصل مختلفا في المثل مثل ان يقيس الشافعي في الربا في الفاكهة على البر
فقال الحنفي المعنى في البر انه مكيل جنس وهذا ليس بمكيل ولا موزون
فالذي ينبغي ان يصرف العناية اليه ان يتكلم على علة الاصل بان يقول لا يجوز ان يكون الكيل علة لان الكيل متخلص به من الربا فلا يجوز ان يجعل علما يقتضي تحريم الربا ولان الكيل الحكم بوجوده ولا قيمة بعدمه ولان التعليل بالكيل يعود على اصله بالإبطال وما اشبه ذلك
واما الفرق بقياس الدلالة فضربان
احدهما ان يفرق بحكم من احكام الشرع مثل ان يقول الحنفي في سجود التلاوة انه سجود يجوز فعله في الصلاة فكان واجبا كسجود الصلب
فيقول الشافعي المعنى في سجود الصلب انه لا يجوز فعله على الراحلة من غير عذر وليس كذلك سجود التلاوة فانه يجوز فعله على الراحلة من

غير عذر كسجود النفل
والجواب عنه ان يتكلم على علة الاصل وعلة الفرع بكل ما يتكلم على التعليل والذي يختص به ان يبين علة جواز فعله على الراحلة وهو ان يقول انما جاز فعله على الراحلة لانه وجد سببه وهو على الراحلة وسجود الصلب لم يوجد سببه على الراحلة فلذلك لم يجز فعله على الراحلة
والثاني ان يفرق بنظير من نظائر الحكم وهو مثل ان يقول الشافعي رحمه الله في الزكاة في مال الصبي انه حر مسلم فاشبه البالغ
فيقول الحنفي البالغ يتعلق الحج بماله فتعلقت الزكاة بماله وهذا لا يتعلق الحج بماله فلم يتعلق الزكاة بماله
والجواب ان يتكلم على العلتين بكل ما يتكلم على العلل والذي يعني به ان يبين ان الزكاة ليست بنظير الحج
واما الفرق بقياس الشبه فهو مثل ان يقول الشافعي في نفقة ما عدا الوالد والولد انها لا تجب لان كل قرابة لا يجب بها النفقة مع اختلاف الدين فلا يجب بها النفقة مع اتفاق الدين كقرابة ابن العم
فيقول المخالف المعنى في الاصل ان تلك القرابة لا يتعلق بها تحريم المناكحة وهذه القرابة يتعلق بها تحريم المناكحة فهي كقرابة الوالدين
والجواب ان يتكلم على العلتين بكل ما يتكلم على العلل والذي اختص

بهذا ان يقابل الفرق بجمع مثله فيقول ان كان الاصل والفرع افترقا في تحريم المناكحة الا انهما استويا في الميراث وان كان قد افترق الاصل والفرع في المناكحة ففرقت بينهما في النفقة فههنا ايضا قرابة الاب والاخ في أفترقا تحريم منكوحة احدهما على الاخر ورد الشهادة واحكام كثيرة فيجب ان يفترقا في اسقاط النفقة
باب الكلام على استصحاب الحال وهو ضربان
استصحاب حال العقل في براءة الذمة واستصحاب حال الاجماع فيما حفظ عليه للاختلاف
فاما الاول فهو مثل ان يقول الشافعي رحمه الله فيمن قتل مسلما في دار الحرب وهو لا يعلم اسلامه انه لا يجب عليه الدية لان الاصل براءة الذمة وفراغ الساحة وطريق اشتغالها انما يكون بالشرع ولم يجد ما يدل على الاشتغال فيبقى على الاصل
والكلام عليه من وجهين
احدهما المعارضة بمثلها وهو أن يقول هذا يعارضه إنا اجمعنا انه قد اشتغلت بالعقل ذمته فمن زعم انه بإخراج الكفارة تبرا ذمته احتاج الى دليل
والجواب ان يبين ان القدر الذي دل الدليل على الاشتغال هو الكفارة وهما سوا ذلك فهو باق على البراءة
والثاني ان ينقله عن الاصل بدليل وهو ان يذكر ما يدل على وجوب النية

والجواب عنه ان يتكلم عليه بما يسقطه ليبقى على الاصل
واما استصحاب حال الاجماع فهو مثل ان يستدل الشافعي رحمه الله صلاة في التيمم انه يمضي في صلاته فانا اجمعنا على صحة احرامه فمن زعم انه يبطل برؤية الماء يحتاج الى دليل
وهذا ضعيف لان الاجماع انما يحصل عند عدم الماء فاما مع وجود الماء فليس فيه اجماع فلا يجوز ان يستصحب حكم الاجماع في موضوع الخلاف لان ذلك لا ينقل من المعارضة مثله وهو ان يقال اجمعنا على اشتغال ذمته بفرض الوقت فمن زعم ان هذه الصلاة التي راى الماء في اثناءها تبرىء ذمته يحتاج الى دليل
باب ترجيح الظواهر وذلك يقع في موضعين في الاسناد والمتن
فأما في الاسناد فيختص به اخبار الاحاد وذلك من وجوه
احدها ان يكون احد الراويين كبيرا والاخر صغيرا فتقدم رواية الكبير لانه اضبط
والثاني ان يكون احدهما اعلم فتقدم روايته لانه اعلم بما يروي
والثالث ان يكون احدهما اقرب الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فيتقدم عليه لانه اوعى
والرابع ان يكون احدهما مباشرا للقصة والقصة تتعلق به فيقدم لانه اعرف
والخامس ان يكون احدهما اكثر رواية فيكون اولى لان الشيء بين الجماعة احفظ منه بين العدد اليسير ولهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين ابعد

فمن اصحابنا من قال لا يرجح كالشهادة والاول الاصح
والسادس ان يكون احدهما اكثر صحبة فيقدم لانه اعرف بما دام من السنن
والسابع ان يكون احدهما احسن سياقا للحديث فيقدم بحسن عنايته
والثامن ان يكون احدهما متاخرا فيقدم لانه يروي اخر الروايتين
والتاسع ان يكون احدهما لم يضرب لفظه والاخر اضرب فمن لم يضرب يقدم لانه اضبط
والعاشر ان يكون احدهما اورع او اثبت احتياطا في الحديث فيقدم لانه اوثق
والحادي عشر ان يكون احدهما من رواة اهل الحرمين فيقدم على رواية غيرهم لانهم اعرف بما دام من السنن قال زيد بن ثابت اذا وجدتم اهل المدينة على شيء فهو سنة
والثاني عشر ان يكون احدهما لم تختلف عنه الرواية والاخر اختلف عنه الرواية ففيه وجهان
من اصحابنا من قال تتعارض الروايتان

وتسقطان وتبقى رواية من لم تختلف عنه الرواية
ومن اصحابنا من قال يرجح احدى الروايتين عمن اختلف عنه الرواية على الرواية الاخرى بمعارضة رواية من لم تختلف عنه الرواية
واما الترجيح في المتن فمن وجوه
احدها ان يكون احد الخبرين موافقا لدليل اخر من اصل او معقول اصل فيقدم لان معه ما يقربه والثاني ان يكون احدهما عمل به الائمة فيكون اولى لانه اخر ما جاء عنه من السنن
والثالث ان يكون احدهما نطقا والاخر دليلا فالنطق اولى لانه مجمع عليه والدليل مختلف فيه
والرابع ان يكون احدهما قولا والاخر فعلا ففيه ثلاثة اوجه
احدهما انهما سواء
والثاني الفعل اولى
والثالث القول اولى لان له صيغة يتعدى بلفظه
والخامس ان يكون احدهما قصد به الحكم فيكون اولى مما لم يقصد به الحكم لانه ابلغ في المقصود
والسادس أن يكون احدهما اظهر في الدلالة على الحكم فيقدم لانه اقوى
والسابع ان يكون مع احدهما تفسير الراوي لان الراوي اعرف بالمراد

والثامن ان يكون احدهما ورد على غير سبب فهو اولى مما ورد على سبب لان ما ورد على سبب مختلف في عمومه ومالم يرد على سبب مجمع على عمومه
والتاسع ان يكون احدهما ناقلا فهو اولى لانه يفيد حكما شرعيا
والعاشر ان يكون احدهما اثباتا والاخر نفيا فالاثبات اولى لان مع المثبت زيادة علم
والحادي عشر ان يكون احد الخبرين متاخرا فيكون اولى لانه اخر الامرين وقد قال ابن عباس رضي الله عنه كنا ناخذ من اوامر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالاحدث فالاحدث
والثاني عشر ان يكون احدهما احوط فهو اولى
والثالث عشر ان يكون احدهما حاظرا والاخر مبيحا ففيه وجهان
ومن اصحابنا من قال هما سواء
ومنهم من قال الحاضر اولى لانه احوط
باب ترجيح المعاني والترجيح في المعاني من وجوه
احدها ان يكون اصل احديهما منصوصا عليه فهو اولى لانه اقوى
والثاني ان يكون اصل احديهما ثبت بدليل مقطوع به فيقدم على ما ثبت بدليل غير مقطوع به
والثالث ان يكون لاحدهما اصول فهو اولى لانه اقوى في الظن
والرابع ان يكون احدهما مقيسا على اصل نص على القياس عليه فهو اولى لانه قياس الشرع
والخامس ان يكون احدها مقيسا على جنسه فهو اولى لانه اقرب اليه
والسادس ان يكون احدى العلتين منصوصا عليها فهي اولى لانه اقوى
والسابع ان يكون وصف احديهما محسوسا ووصف الآخرى حكما ففيه وجهان
من اصحابنا من قال المحسوس اولى لانه اثبت

ومنهم من قال الحكم اولى لان الحكم على الحكم ادل
والثامن ان يكون احدهما اثباتا والاخر نفيا فالاثبات اولى لانه مجمع على جوازه والنفي مختلف فيه
والتاسع ان يكون وصف احدهما اسما ووصف الاخر صفة فالصفة اولى لانه مجمع عليها والاسم مختلف في جوازه
والعاشر ان تكون احداهما اقل اوصافا ففيه وجهان
احدهما القليلة الاوصاف اولى
والثاني الكثيرة الاوصاف اولى لانها اقوى تشبثا للفرع بالاصل
والحادي عشر ان يكون احدهما يطرد وينعكس والاخر يطرد ولا ينعكس فالذي يطرد وينعكس اولى لانه مدلول على صحته بالعكس
والثاني عشر ان يكون احدهما يوجب احتياطا فهو اولى لانه اسلم

والثالث عشر ان يكون احداهما يوجب الحظر والاخرى توجب الاباحة ففيه وجهان كما ذكرنا في الاخبار
والرابع عشر ان يكون احداهما ناقلة والاخرى مبقية فالناقلة اولى
والخامس عشر ان يكون احداهما تسقط الحد والاخرى توجبه او احداهما يسقط الجزية والاخرى توجبها ففيه وجهان
من اصحابنا من قال هما سواء
ومنهم من قال ما يسقط الحد ويوجب الجزية اولى
والسادس عشر ان يكون احداهما توافق دليلا اخر من اصل او معقول اصل فهو اولى لانها اقوى
والله اعلم بالصواب
. جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين

كتاب : التعريفات المؤلف : علي بن محمد بن علي الجرجاني

أقسام الكتاب 1 2 . جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين    مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التا...